مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

الاستيطان يطبق على نعلين ويهدد بابتلاع ما تبقى من أراضيها

الرسالة نت - محمد سليمان

بين جرافات تقتلع أشجار الزيتون، وطرق استيطانية تشق قلب الأراضي الزراعية، وبؤر رعوية تتمدد فوق التلال، تواجه بلدة نعلين غرب رام الله موجة جديدة من الضغط الاستيطاني الذي يهدد بتغيير خريطة ما تبقى من أراضيها، وربط البؤر القائمة بمسارات جديدة تتيح للمستوطنين توسيع نطاق سيطرتهم على الأرض.

ولا تبدو عمليات التجريف الأخيرة في منطقة "زبدة" حدثًا منفصلًا عن المشهد الأوسع المحيط بالبلدة؛ إذ تزامنت مع شق طرق باتجاه أراضٍ أخرى في نعلين، فيما توجد على "جبل العالم" بؤرة رعوية، الأمر الذي يثير مخاوف من تحول الطرق الجديدة إلى ممرات تمهد لمزيد من البؤر والسيطرة على مساحات زراعية واسعة.

وأكدت بلدية نعلين استمرار عمليات التجريف وشق الطرق في أراضي منطقة "زبدة"، مطالبة المؤسسات الحقوقية والدولية والجهات الرسمية بالتدخل لوقف الاعتداءات وحماية أراضي المواطنين وممتلكاتهم.

وتكتسب المنطقة المستهدفة أهمية خاصة كونها تقع غرب نعلين بالقرب من جدار الفصل، وتضم مساحات واسعة مزروعة بأشجار الزيتون، ما يجعل أي تغيير في طبيعة استخدامها أو فتح الطرق داخلها ذا أثر مباشر على قدرة أصحابها على الوصول إليها وزراعتها.

أحمد سرور، أحد سكان نعلين وصاحب أرض زراعية طالها التجريف، يقول إن المستوطنين استخدموا ست جرافات في تجريف عشرات الدونمات واقتلاع أشجار زيتون في منطقة زبدة.

وأوضح سرور لـ"الرسالة نت" أن الأراضي المستهدفة تواجه خطر الاستيلاء عليها لمصلحة التوسع الاستيطاني، مشيرًا إلى أن المنطقة تعرضت سابقًا لعمليات تجريف وشق طرق، بالتزامن مع اقتلاع أشجار زيتون في منطقة "الخلال" غرب البلدة.

وأضاف أن أعمال شق الطريق في زبدة طالت مساحة تقدر بنحو 70 دونمًا من الأراضي المزروعة بالزيتون، معتبرًا أن ما يجري يمهد لإقامة بؤرة استيطانية جديدة في منطقة ملاصقة لجدار الفصل.

وفي قراءة لأبعاد هذه التحركات، يحذر أمير داوود، مدير التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، في تصريحات منشورة حديثًا، من النظر إلى كل طريق أو بؤرة استيطانية باعتبارها حدثًا منفردًا، موضحًا أن المشروع الاستيطاني يقوم على إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وفرض واقع مكاني جديد يحصر التجمعات الفلسطينية داخل معازل وكتل جغرافية ضيقة.

وأوضح داوود في تصريح خاص بـ"الرسالة نت"؛  أن ما يحدث في نعلين من فتح الطرق باتجاه الأراضي الزراعية وإقامة البؤر على التلال يتيح توسيع مجال السيطرة الاستيطانية إلى مساحات تتجاوز كثيرًا المساحة المبنية فعليًا للبؤرة.

وتشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن النصف الأول من عام 2026 شهد إقامة 42 بؤرة استيطانية جديدة، معظمها رعوية، إلى جانب تهجير 26 تجمعًا بدويًا ورعويًا كليًا أو جزئيًا، وهو ما تربطه الهيئة بمنظومة أوسع تستهدف إعادة هندسة الجغرافيا وخلق بيئة تدفع الفلسطينيين إلى تقليص وجودهم أو مغادرة مناطقهم.

ويصف داوود، ما يجري بأنه انتقال من السيطرة على قطعة أرض بعينها إلى محاولة فرض "حيز جغرافي بديل"، يتم فيه فصل التجمعات الفلسطينية عن محيطها وأراضيها الزراعية، وربط المستوطنات والبؤر بشبكات طرق وبنى تحتية تعيد رسم الخريطة على الأرض.

وبهذا المعنى، لا تكمن خطورة المشروع في عدد الدونمات التي تجرف في المرحلة الأولى فقط، وإنما في الوظيفة اللاحقة للطريق أو البؤرة؛ إذ يمكن أن تصبح نقطة انطلاق لفرض قيود على وصول المزارعين، وتوسيع نطاق تحرك المستوطنين، وربط مواقع استيطانية متفرقة ببعضها؛ يقول داوود.

الاستيطان الرعوي

وفي السياق؛ يبرز في المشهد المحيط بنعلين أداة أخرى لا تقل خطورة عن التوسع العمراني التقليدي، تتمثل في الاستيطان الرعوي، الذي يعتمد على إقامة مزرعة أو مجموعة محدودة من الخيام والحظائر فوق منطقة مفتوحة، قبل أن يمتد تأثيرها عمليًا إلى مساحات واسعة من الأراضي المحيطة.

وتوثق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن معظم البؤر الـ42 التي أقيمت خلال النصف الأول من عام 2026 كانت بؤرًا رعوية، بينما رافق تصاعد النشاط الاستيطاني تهجير تجمعات فلسطينية واستهداف واسع للأراضي الزراعية والأشجار.

و يقول محمد إلياس، مستشار هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إن خطورة الاستيطان الرعوي تكمن في أن حجم البؤرة الظاهر لا يعكس المساحة الفعلية التي تسعى إلى السيطرة عليها، إذ قد تبدأ بعدد محدود من الخيام أو الحظائر، ثم تستخدم حركة القطعان والطرق الترابية والاعتداءات المتكررة لمنع المزارعين والرعاة الفلسطينيين من الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم.

وأوضح  إلياس لـ"الرسالة نت" أن هذا النمط أصبح إحدى الأدوات الأكثر فاعلية في تغيير واقع الأرض، لأنه لا يحتاج في بدايته إلى كتلة عمرانية ضخمة؛ فوجود مستوطن أو مجموعة صغيرة فوق نقطة مرتفعة، مع فتح طريق إليها وتوفير الحماية، يسمح بفرض نطاق نفوذ يتوسع تدريجيًا حولها.

وأضاف أن الخطر يبدأ حين يتحول الوجود الرعوي إلى وسيلة لإبعاد صاحب الأرض عنها، سواء بمنعه من الزراعة أو الرعي أو الوصول المنتظم إليها، لتصبح الأرض مع مرور الوقت شبه معزولة عن أصحابها، وهو ما يخلق واقعًا جديدًا يمكن البناء عليه لاحقًا في توسيع البؤرة ومد شبكات الطرق والخدمات إليها.

وأشار إلى أن نعلين تمثل نموذجًا واضحًا لطريقة تداخل الأدوات الاستيطانية؛ فهناك جدار يعزل مساحات من الأرض، وطرق يجري فتحها، وبؤر رعوية على التلال، وتوسع استيطاني قائم، ما يزيد الضغوط على المساحات الزراعية المتبقية ويهدد التواصل الطبيعي بين البلدة وأراضيها.

وشدد على أن البؤرة الرعوية لا ينبغي تقييمها وفق مساحة الخيام أو الحظائر فقط، وإنما وفق المساحات التي تصبح لاحقًا خارج قدرة الفلسطينيين على الاستخدام نتيجة الاعتداءات والملاحقة وإغلاق الطرق وفرض أمر واقع جديد.

وهكذا، تتحول المعركة في نعلين من مواجهة جرافة تشق طريقًا أو مستوطن يقيم خيمة إلى صراع على بقاء الأرض متصلة بأصحابها؛ فكل طريق جديد قد يفتح المجال لبؤرة، وكل بؤرة قد تفرض نطاقًا جديدًا من السيطرة، فيما تتراجع المساحة التي يستطيع المزارع الفلسطيني الوصول إليها واستثمارها يومًا بعد آخر.

بث مباشر