☰
✕

قائمة الموقع

مخاوف فلسطينية من بوابة جديدة لتصفية قضية اللاجئين

2026-09-26T10:11:00+03:00
الرسالة نت- خاص

فتحت التصريحات الأخيرة الصادرة عن مجلس السلام تجاه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، ووصفها بأنها لا تستوفي معيار «الشريك الموثوق»، وربط التعامل معها بما سماه المجلس «نزع التطرف»، بابًا واسعًا من المخاوف الفلسطينية بشأن مستقبل الوكالة، وما إذا كانت الضغوط عليها تنتقل من المسار الإسرائيلي المباشر إلى إطار سياسي أوسع يستهدف إعادة تعريف دورها ووظيفتها.

وتكمن حساسية هذه المواقف في أن ملف الأونروا يتجاوز، في نظر المؤسسات الفلسطينية المعنية بشؤون اللاجئين، حدود تقديم المساعدات والخدمات الإنسانية؛ إذ ترتبط الوكالة منذ تأسيسها بقضية اللاجئين الفلسطينيين، وتحولت على مدار عقود إلى أحد أبرز العناوين الدولية المرتبطة باستمرار هذه القضية وعدم التوصل إلى حل نهائي لها.

وتأسست الأونروا بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 لعام 1949، فيما مددت الجمعية العامة في ديسمبر/كانون الأول 2025 ولايتها حتى 30 يونيو/حزيران 2029، مؤكدة استمرار عملها إلى حين التوصل إلى حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين.

وفي مواجهة موقف مجلس السلام، تلاقت مواقف اللجان الشعبية للاجئين، ودائرة شؤون اللاجئين في حركة حماس، ومركز اللاجئين للدراسات، إلى جانب تصريحات رئيس اللجان الشعبية للاجئين د. مازن الشيخ، عند التحذير من أن الخطاب الجديد تجاه الأونروا قد يتجاوز الضغط على مؤسسة إنسانية إلى محاولة التأثير في المكانة السياسية والقانونية لقضية اللاجئين ذاتها.

واعتبرت اللجان الشعبية للاجئين في فلسطين أن موقف مجلس السلام يمثل «تطورًا بالغ الخطورة»، وقالت إن التشكيك في الأونروا وموثوقيتها يتقاطع مع الموقف الإسرائيلي الذي سعى على مدار سنوات إلى إنهاء عمل الوكالة أو تقليص حضورها، ولا سيما في قطاع غزة.

وحذرت اللجان من أن الانتقال من انتقاد أداء الوكالة إلى إخضاع استمرار عملها لشروط سياسية وأمنية، قد يفتح الباب أمام تغيير طبيعة المؤسسة من وكالة أممية تستند إلى تفويض دولي إلى جهة مرتبطة بمعايير تضعها أطراف سياسية من خارج المرجعية التي أنشأتها.

وشددت على أن استهداف الأونروا، من وجهة نظرها، لا يقتصر على الجانب الإغاثي، لأن الوكالة ترتبط مباشرة بملف اللاجئين؛ ومن ثم فإن أي محاولة لتهميشها أو استبدالها ستنعكس سياسيًا على واحدة من أكثر القضايا الفلسطينية حساسية.

مخاوف من تغيير وظيفة مجلس السلام

وتوقفت المؤسسات الفلسطينية عند طبيعة الدور الذي يفترض أن يقوم به مجلس السلام، معتبرة أن مهمته الأساسية ينبغي أن تتركز في تثبيت وقف إطلاق النار، وضمان تنفيذ الترتيبات المتفق عليها، وتسهيل وصول المساعدات، بدل الدخول في إعادة تعريف وضع وكالة أممية قائمة بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وفي هذا السياق، قال د. مازن الشيخ، رئيس اللجان الشعبية للاجئين، إن وصف الأونروا بأنها ليست «شريكًا موثوقًا» يعكس -بحسب تقديره- الرواية الإسرائيلية التي طالما شككت في الوكالة وعملها.

وذهب الشيخ إلى التحذير من أن استمرار هذا المسار قد يدفع مجلس السلام بعيدًا عن الوظيفة التي أُنشئ من أجلها، معتبرًا أن مهمة المجلس ينبغي أن تكون حماية العمل الإنساني وإنهاء الحرب وتثبيت السلام، وليس توفير غطاء سياسي لأي خطوات من شأنها إضعاف الأونروا أو تقويض عملها.

كما رأى أن الخطاب الصادر عن المجلس يأتي بعد سنوات من استهداف منشآت الوكالة وموظفيها خلال الحرب، وهو ما يجعل، وفق موقفه، أي تشكيك سياسي جديد في الأونروا أكثر خطورة على قدرتها على العمل وعلى سلامة موظفيها.

«تصفية قضية اللاجئين»

من جهتها، اعتبرت دائرة شؤون اللاجئين في حركة حماس أن المواقف المتتابعة الصادرة عن مجلس السلام تجاه الأونروا تمثل «توطئة خطيرة» لمسار قد ينتهي بالمساهمة في تصفية قضية اللاجئين من دون التوصل إلى حل سياسي عادل وشامل لها.

وقالت الدائرة إن هذه المواقف تتقاطع مع الرؤية الإسرائيلية القائمة على تقليص دور الأونروا وإنهائه، وربطت ما يجري ضد الوكالة بسياق أوسع شمل -بحسب بيانها- تدمير مخيمات فلسطينية وتهجير سكانها في قطاع غزة وشمال الضفة الغربية.

كما انتقدت انتقال المجلس إلى مناقشة مستقبل الوكالة، في الوقت الذي ترى فيه الدائرة أنه لم يحقق حتى الآن تقدمًا كافيًا في ملفات وقف الانتهاكات أو ضمان تدفق المساعدات الإنسانية بالمستوى المطلوب.

وحذرت من أن استمرار هذا النهج قد يحول المجلس إلى قناة لتمرير تصورات سياسية تتعلق بمستقبل عدد من الملفات الفلسطينية، وفي مقدمتها قضية اللاجئين والأونروا.

معركة على التفويض والمرجعية

وفي البعد القانوني، يتركز الجدل على الجهة صاحبة الاختصاص بتحديد مستقبل الأونروا.

وترى المؤسسات الفلسطينية التي علقت على تصريحات مجلس السلام أن المجلس لا يمتلك صلاحية إلغاء الوكالة أو تعديل تفويضها، باعتبار أن ولايتها مستمدة من الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وتؤيد الوثائق الأممية جوهر هذه النقطة من حيث المرجعية؛ فالأونروا أنشئت بقرار من الجمعية العامة، كما جددت الجمعية ولايتها في ديسمبر/كانون الأول 2025 حتى منتصف عام 2029، وأكدت دعمها لاستمرار عمل الوكالة ودورها في تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين.

ومن هنا، اعتبرت اللجان الشعبية أن فرض بديل عن الأونروا أو إعادة تعريف وظيفتها من خارج إطار الأمم المتحدة سيمثل تجاوزًا للمرجعية التي أنشأت الوكالة وحددت اختصاصاتها.

«القضية لا تنتهي بإلغاء الوكالة»

بدوره، ذهب مركز اللاجئين للدراسات إلى أن الهجوم المتكرر على الأونروا يمثل، من وجهة نظره، امتدادًا للحرب السياسية الإسرائيلية على الوكالة، لكن بأدوات وواجهات مختلفة.

وقال المركز إن تغيير اسم المؤسسة التي تقدم الخدمات أو استبدال الأونروا لن ينهي أصل المشكلة، لأن قضية اللاجئين مرتبطة ببقاء ملايين الفلسطينيين خارج ديارهم وعدم التوصل إلى حل نهائي لقضيتهم.

ووصف المركز الأونروا بأنها «شاهد سياسي وإنساني» على قضية اللاجئين، معتبرًا أن تقويضها قد يضعف إحدى أبرز المؤسسات المرتبطة دوليًا بهذه القضية، لكنه لن يلغي وجود اللاجئين ولا مطالبهم السياسية والقانونية.

ودعا مجلس السلام إلى توجيه جهوده نحو معالجة جذور الصراع ودعم الوصول إلى تسوية لقضية اللاجئين استنادًا إلى القرارات الدولية ذات الصلة، بدل الانخراط في محاولات تقليص دور الوكالة أو التأثير في عملها.

أكثر من معركة على مؤسسة إغاثية

وتكشف المواقف الفلسطينية المتزامنة أن الجدل الدائر حول الأونروا لم يعد يُقرأ باعتباره خلافًا حول كفاءة مؤسسة إنسانية أو آليات توزيع المساعدات فقط، بل باعتباره صراعًا على دلالة وجود الوكالة ومستقبل ملف اللاجئين نفسه.

فبينما يتحدث مجلس السلام، بحسب التصريحات المنسوبة إليه، عن «الثقة» و«نزع التطرف»، تنظر المؤسسات الفلسطينية المعنية باللاجئين إلى المسألة من زاوية مختلفة تمامًا: تفويض أممي، وحقوق لم تُحسم، وملايين اللاجئين الذين ما تزال قضيتهم قائمة.

وبذلك، ينتقل الخلاف من السؤال عن كيفية عمل الأونروا إلى سؤال أكثر جوهرية: من يملك حق تقرير مستقبلها؟ وهل يمكن إعادة صياغة دور وكالة أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة من خلال ترتيبات سياسية موازية، أم أن مصيرها سيبقى مرتبطًا بالمرجعية الأممية وبالتوصل إلى حل نهائي لقضية اللاجئين؟

وهو ما يجعل المواجهة الحالية حول الأونروا، وفق مجمل المواقف الفلسطينية، اختبارًا يتجاوز مستقبل وكالة إغاثية إلى مستقبل واحد من أكثر ملفات القضية الفلسطينية تعقيدًا وحساسية.

 

اخبار ذات صلة