مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

حين غنّى الغرب لغزة.. فنانون حوّلوا المنصة إلى صوت لفلسطين

متابعة-الرسالة نت

في الوقت الذي خفت فيه حضور عدد كبير من نجوم الفن العربي والإسلامي في المشهد الدولي المتعلق بالحرب على غزة، برز خلال السنوات الأخيرة صوت فني غربي أكثر حضورًا في دعم فلسطين والدعوة إلى وقف الحرب وإيصال المساعدات إلى المدنيين.

من ماكلمور، وماسيف أتاك، وبراين إينو، وكينيبك، وفونتينز دي.سي. إلى دوا ليبا، وآني لينوكس، وبيلي آيليش، لم تقتصر المواقف على منشورات عابرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتدت إلى الأغاني والحفلات والمهرجانات والبيانات الجماعية وحملات جمع التبرعات.

وأصبح المسرح، بالنسبة إلى عدد من هؤلاء الفنانين، مساحة للتعبير عن موقف سياسي وإنساني، في وقت واجه بعضهم انتقادات وضغوطًا وإلغاءً لبعض العروض بسبب مواقفهم.

 

ماكلمور.. حين تحولت الأغنية إلى احتجاج

كان مغني الراب الأميركي ماكلمور من أكثر الفنانين الغربيين وضوحًا في التعبير عن دعمه للفلسطينيين.

في مايو/أيار 2024 أصدر أغنية قاعة هند، المستوحاة من الاحتجاجات الطلابية المؤيدة لفلسطين في جامعة كولومبيا، وحمل العمل اسم المبنى الذي احتله الطلاب وأطلقوا عليه اسم الطفلة الفلسطينية هند رجب.

الأغنية لم تكن مجرد عمل موسيقي؛ فقد استخدم ماكلمور كلماتها لانتقاد الدعم الأميركي لـ(إسرائيل) والتعبير عن تضامنه مع الفلسطينيين، كما خُصصت عائداتها لمنظمات تعمل في المجال الإنساني.

وواصل الفنان تقديم الأغنية خلال حفلاته، بينما رفع العلم الفلسطيني وردد الجمهور معه هتافات مؤيدة لفلسطين.

وفي سبتمبر/أيلول 2026 عاد اسمه إلى الواجهة بعد مواقف علنية جديدة خلال جولته الفنية، في وقت أثارت فيه مشاركته في جولة المغني إد شيران جدلًا وضغوطًا مرتبطة بمواقفه السياسية. كما أعلن عن التبرع بمليون دولار من عائدات جولته لمنظمات تقدم المساعدة للفلسطينيين.

 

ماسيف أتاك.. الموسيقى في مواجهة الصمت

كانت فرقة ماسيف أتاك البريطانية من الأصوات المستمرة في التعبير عن دعم الفلسطينيين.

لم تكتفِ الفرقة بالتصريحات، بل استخدمت حفلاتها ومنصاتها للتذكير بما يجري في غزة، ودافعت عن فنانين واجهوا ضغوطًا بسبب مواقفهم المؤيدة لفلسطين.

وفي عام 2025 شاركت ماسيف أتاك إلى جانب براين إينو، وفونتينز دي.سي.، وكينيبك في تأسيس تحالف يهدف إلى مساعدة الفنانين الذين يتعرضون لضغوط بسبب حديثهم عن غزة وفلسطين.

ويعكس إنشاء مثل هذا التحالف انتقال التضامن الفني من مواقف فردية إلى محاولة لبناء شبكة حماية للفنانين الذين يخشون أن تؤثر مواقفهم السياسية في مسيرتهم المهنية.

 

براين إينو.. من الفنان إلى المنظم

لم يكتفِ الموسيقي والمنتج البريطاني براين إينو بالتعبير عن موقفه الشخصي، بل انخرط في مبادرات جماعية.

وكان من المشاركين في تنظيم فعالية معًا من أجل فلسطين في لندن عام 2025، التي جمعت موسيقيين وفنانين وشخصيات عامة للتعبير عن التضامن مع الفلسطينيين وتسليط الضوء على الوضع الإنساني في غزة.

كما شارك في تأسيس التحالف الذي جمع مجموعة من الفنانين للدفاع عن حق الموسيقيين في الحديث عن فلسطين من دون التعرض للترهيب أو الضغوط المهنية.

 

كينيبك.. حين تتحول شاشة المهرجان إلى منبر سياسي

من أكثر الأمثلة وضوحًا فرقة كينيبك الأيرلندية.

خلال مشاركتها في مهرجان كوتشيلا عام 2025، استخدمت الفرقة شاشات المسرح لعرض رسائل مؤيدة لفلسطين، وانتقدت الدعم الأميركي لـ(إسرائيل)، ودعت إلى تحرير فلسطين.

وأثارت تلك المواقف جدلًا واسعًا، بينما واجهت الفرقة انتقادات وضغوطًا مرتبطة بخطابها السياسي.

لكن أعضاءها واصلوا التعبير عن موقفهم، لتصبح حفلاتهم واحدة من المساحات التي يُطرح فيها موضوع غزة أمام جمهور موسيقي عالمي.

 

 العلم الفلسطيني فوق المسرح

الفرقة الأيرلندية فونتينز دي.سي. اختارت بدورها أن تجعل فلسطين حاضرة في حفلاتها.

وخلال مشاركتها في مهرجانات أوروبية، ظهر العلم الفلسطيني على المسرح، كما عُرضت رسائل مؤيدة للفلسطينيين.

وفي مهرجان روسكيلده في الدنمارك عام 2025، استضافت الفرقة مجموعة مؤيدة لفلسطين على المسرح، وردد المشاركون هتافات تضامنية مع غزة.

هذه المواقف جعلت فلسطين جزءًا من المشهد البصري والرسالة السياسية لحفلات الفرقة أمام آلاف المتفرجين.

 

دوا ليبا.. نجمة عالمية تتحدث عن غزة

أما نجمة البوب البريطانية الألبانية دوا ليبا، فقد اتخذت موقفًا داعيًا إلى وقف إطلاق النار منذ المراحل الأولى للحرب.

وقالت في مقابلات صحفية إن قضية اللاجئين قريبة منها بسبب تاريخ عائلتها، ودعت إلى وقف إطلاق النار والسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين.

كما وقعت على مبادرة فنانون من أجل وقف إطلاق النار، التي تضم مئات الفنانين والعاملين في صناعة السينما والموسيقى، وتدعو إلى وقف إطلاق النار وحماية المدنيين وإيصال المساعدات.

وفي مايو/أيار 2024، بعد الهجوم على مخيم للنازحين في رفح، استخدمت منصاتها للتعبير عن تضامنها مع الفلسطينيين، في موقف حظي بتغطية إعلامية واسعة.

 

آني لينوكس.. رسالة من حفل الغرامي

في حفل توزيع جوائز غرامي عام 2024، اختارت المغنية البريطانية آني لينوكس أن تختتم أداءها برسالة داعية إلى السلام ووقف إطلاق النار.

كان المشهد قصيرًا، لكنه حظي باهتمام واسع، خصوصًا أن الحفل يُعد واحدًا من أكبر المنصات الفنية في العالم.

وانضمت لينوكس كذلك إلى الفنانين الموقعين على مبادرة فنانون من أجل وقف إطلاق النار.

 

بيلي آيليش.. الدبوس الذي وصل إلى ملايين المشاهدين

في حفل توزيع جوائز الأوسكار عام 2024، ظهرت المغنية الأميركية بيلي آيليش مرتدية دبوسًا يحمل شعار مبادرة فنانون من أجل وقف إطلاق النار.

وكانت المبادرة قد دعت الفنانين والشخصيات العامة إلى المطالبة بوقف إطلاق النار في غزة.

ورغم بساطة الإشارة، فإن ظهورها على السجادة الحمراء أمام ملايين المشاهدين جعل الموقف جزءًا من واحدة من أكثر الفعاليات الفنية متابعة عالميًا.

 

 عندما يصبح التضامن جماعيًا

وراء كثير من هذه الأسماء تقف مبادرة فنانون من أجل وقف إطلاق النار، التي جمعت مئات الفنانين والعاملين في مجالات الموسيقى والسينما والفنون.

وتدعو المبادرة إلى وقف إطلاق النار، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى المدنيين في غزة، والإفراج عن الرهائن، إلى جانب الدعوة إلى الكرامة والحرية والعدالة للفلسطينيين والإسرائيليين.

وتضم القائمة أسماء معروفة من الموسيقى والسينما والفنون، من بينها ماكلمور، ودوا ليبا، وبيلي آيليش، وبراين إينو، وآني لينوكس وغيرهم.

وهنا تتجاوز القضية موقف الفنان الفردي، لتتحول إلى حركة ثقافية تشارك فيها أسماء ذات جماهير ضخمة حول العالم.

 

اللافت في التجربة الغربية أن بعض الفنانين لم يكتفوا بالتعبير عن التضامن، بل دخلوا في مواجهة مباشرة مع الضغوط التي تعرضوا لها بسبب مواقفهم.

ولهذا جاء التحالف الذي أعلنته ماسيف أتاك وبراين إينو وفونتينز دي.سي. وكينيبك عام 2025، بهدف دعم الفنانين الذين يتعرضون للضغط بسبب مواقفهم من غزة.

وفي المقابل، ظهرت حملات انتقاد وإلغاء لبعض الحفلات والفعاليات، ما جعل حرية الفنان في التعبير عن موقفه من الحرب جزءًا من النقاش العام.

أين الفن العربي؟

في المقابل، يبرز سؤال آخر أكثر حساسية: أين نجوم الفن العربي من كل ذلك؟

لا يمكن القول إن الفنانين العرب جميعًا صمتوا؛ فقد صدرت مواقف فردية وأعمال فنية وحملات تضامن عربية وفلسطينية منذ بداية الحرب. لكن مقارنة بحجم صناعة الفن العربي وحجم الجمهور الذي يمتلكه كبار الفنانين، يبدو الحضور العربي في المنصات الفنية العالمية أقل وضوحًا من الحضور الذي ظهر لدى مجموعة من الفنانين الغربيين.

والسؤال هنا لا يتعلق بالضرورة بمطالبة كل فنان بأن يصبح ناشطًا سياسيًا، وإنما بالدور الذي يمكن للفن أن يؤديه عندما تقع كارثة إنسانية بهذا الحجم.

فالفنان يمتلك منصة لا يمتلكها الصحفي أو الناشط أو المواطن العادي: ملايين المتابعين، ومسارح عالمية، ومهرجانات، وجوائز، وأغنيات وأفلامًا وصورًا يمكن أن تصل إلى جمهور يتجاوز حدود اللغة والجغرافيا.

 

حين يصبح الصوت موقفًا

تكشف تجربة هؤلاء الفنانين أن التضامن مع غزة لم يعد محصورًا في البيانات السياسية أو المنظمات الحقوقية.

لقد دخل إلى المسرح، وإلى الأغنية، وإلى المهرجانات، وإلى السجادة الحمراء.

ومن ماكلمور الذي حوّل مأساة غزة إلى أغنية، إلى ماسيف أتاك وبراين إينو اللذين انخرطا في بناء شبكة لحماية الفنانين، مرورًا بكينيبك وفونتينز دي.سي. اللتين جعلتا فلسطين حاضرة على المسارح الأوروبية، وصولًا إلى دوا ليبا وبيلي آيليش وآني لينوكس، أصبحت أسماء فنية عالمية تستخدم جزءًا من حضورها الجماهيري للحديث عن غزة.

وربما تكمن المفارقة الأشد إيلامًا في أن أصواتًا فنية من خارج المنطقة استطاعت أن تجعل فلسطين حاضرة في مسارح ومهرجانات عالمية، بينما ظل حضور جزء من المشهد الفني العربي أقل مما يتوقعه كثيرون من قضية تمس المنطقة وذاكرتها وواقعها مباشرة.

في النهاية، لا تستطيع الأغنية وحدها أن توقف حربًا، ولا يستطيع الفنان وحده تغيير مسار سياسة دولية، لكن الكلمة يمكن أن تصل إلى ملايين الناس، والأغنية يمكن أن تتحول إلى وثيقة، والمسرح يمكن أن يصبح مساحة للشهادة، والفن يمكن أن يحفظ ذاكرة شعب حين يحاول العالم أن يتعامل مع مأساته كرقم في نشرة أخبار.

بث مباشر