كشفت صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية أن القيود والمقاطعة التي تفرضها دول أوروبية على (إسرائيل) بدأت تترك آثارًا مباشرة على سلاسل الإمداد التابعة لجيش الاحتلال، ولا سيما في مجال الصناعات البحرية، مشيرة إلى أن المؤسسة العسكرية تواجه صعوبات متزايدة في الحصول على مكونات ومعدات تدخل في تصنيع الغواصات والسفن الحربية.
وبحسب تقرير الصحيفة، الذي نقلت تفاصيله وسائل إعلام عربية اليوم الخميس، فإن دولًا أوروبية بينها النرويج والدنمارك وفرنسا ترفض تزويد أحواض بناء السفن الألمانية بمكونات دفاعية تستخدم في مشاريع عسكرية لصالح (إسرائيل)، الأمر الذي انعكس على برامج التسليح والتطوير التابعة لجيش الاحتلال.
وأشارت (هآرتس) إلى أن جيش الاحتلال كان يستطيع في السابق التعامل مع بعض القيود الأوروبية من خلال الحصول على المعدات والمكونات عبر دول ثالثة، إلا أن هذه الوسيلة أصبحت أكثر صعوبة في ظل اتساع نطاق القيود الأوروبية وتشدد بعض الدول في منع وصول منتجات أو مكونات يمكن استخدامها في الصناعات العسكرية الإسرائيلية.
تأخير الغواصة (دراكون)
ومن أبرز الأمثلة التي أوردها التقرير، الغواصة الجديدة (دراكون)، التي يجري تصنيعها في ألمانيا، إذ أدى النقص في بعض المكونات، وفق (هآرتس)، إلى تأخر تسليمها عدة أشهر عن الموعد المقرر.
وبحسب الصحيفة، لا تقتصر المشكلة على الغواصة المذكورة، إذ يخشى جيش الاحتلال من أن تمتد التأخيرات إلى غواصات أخرى ضمن البرنامج البحري نفسه، في حال استمرت القيود المفروضة على الشركات الأوروبية التي تشارك في تصنيع مكوناتها.
وتكتسب الغواصات أهمية خاصة بالنسبة للمؤسسة العسكرية للاحتلال، باعتبارها جزءًا أساسيًا من قدراتها البحرية بعيدة المدى، فيما يرتبط تطويرها وتصنيعها بتعاون صناعي طويل الأمد مع ألمانيا وشركات أوروبية أخرى.
رفض رسو الغواصة في موانئ أوروبية
وفي واقعة أخرى، قالت (هآرتس) إن النرويج والدنمارك رفضتا السماح للغواصة بالرسو في موانئهما أثناء رحلتها من ألمانيا إلى (إسرائيل) لإجراء اختبارات ومناورات.
ووفق الرواية التي أوردتها الصحيفة، كانت الغواصة في تلك المرحلة ترفع العلم الألماني وكانت مملوكة لحوض بناء السفن الألماني، وليس لجيش الاحتلال بصورة مباشرة، إلا أن ذلك لم يمنع رفض السماح لها باستخدام بعض الموانئ.
واضطرت الغواصة، نتيجة لذلك، إلى تغيير مسارها، ما أضاف إلى رحلتها نحو 8 آلاف كيلومتر، بحسب التقرير.
ويكشف تغيير المسار، وفق ما تطرحه الصحيفة، عن تأثير القيود السياسية الأوروبية على العمليات اللوجستية المرتبطة بالمشروعات العسكرية التي تعتمد على بنية صناعية وموانئ وشركات أوروبية.
قيود على السفن
وتتجاوز المشكلة، وفق التقرير، مسألة تصنيع الغواصات إلى حركة السفن التابعة للاحتلال في المياه والموانئ الأوروبية.
وقالت (هآرتس) إن جيش الاحتلال رصد حالات بدأت فيها دول أوروبية بمنع سفن إسرائيلية، بما فيها سفن عسكرية ومدنية، من دخول موانئها بهدف التزود بالوقود أو الحصول على الإمدادات.
وتثير هذه القيود مخاوف داخل المؤسسة العسكرية للاحتلال من احتمال اتساع نطاق الإجراءات الأوروبية مستقبلًا، بما قد يزيد من صعوبة حركة السفن ويؤثر في عمليات الإمداد والصيانة والانتشار البحري.
وبحسب الصحيفة، فإن جيش الاحتلال ينظر إلى هذه التطورات باعتبارها جزءًا من مشكلة أوسع تتعلق باعتماده على سلاسل توريد دولية في قطاعات عسكرية حساسة، رغم الخطاب السياسي المتكرر بشأن تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج.
مشروع (داكار) في دائرة التأثر
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه (إسرائيل) وألمانيا العمل على تطوير الجيل الجديد من الغواصات الإسرائيلية المعروف باسم (داكار).
ووفق ما أوردته (هآرتس)، توجد وحدة إسرائيلية تعمل في ألمانيا ضمن المشروع، ما يعكس استمرار اعتماد البرامج العسكرية الإسرائيلية على التعاون الصناعي والتكنولوجي الأوروبي في أحد أكثر المشاريع العسكرية حساسية.
ويرى التقرير أن استمرار القيود الأوروبية قد يفرض تحديات إضافية على هذا النوع من المشاريع، خصوصًا إذا توسعت الإجراءات من منع بعض المكونات إلى فرض قيود على الشركات أو الخدمات اللوجستية والموانئ المرتبطة بالبرامج العسكرية.
فجوة بين الخطاب السياسي والواقع العسكري
وتبرز القضية كذلك باعتبارها اختبارًا للخطاب السياسي الإسرائيلي بشأن القدرة على الاعتماد على الإنتاج المحلي.
ففي الوقت الذي يؤكد فيه مسؤولون إسرائيليون أن الحرب دفعت البلاد إلى تعزيز صناعاتها الدفاعية وتقليل اعتمادها على الخارج، تشير المعطيات التي أوردتها (هآرتس) إلى أن بعض البرامج العسكرية الاستراتيجية لا تزال مرتبطة بسلاسل توريد وشركات ومكونات أوروبية.
وبحسب الصحيفة، فإن المشكلة لا تتمثل بالضرورة في توقف الإنتاج العسكري، وإنما في أن القيود الأوروبية بدأت تخلق تأخيرات وصعوبات لوجستية في برامج محددة، وعلى رأسها برامج التسليح البحري.