☰
✕

قائمة الموقع

من الخيمة إلى الصف.. طلاب غزة يبدأون عامًا دراسيًا بإمكانات شحيحة

2026-09-23T19:52:00+03:00
الرسالة نت - خاص

على حصيرة داخل خيمة، جلس مؤيد سالم ينتظر بدء الحصة الأولى، بعدما غابت عنه المدرسة لنحو ثلاثة أعوام. لم تكن العودة هذه المرة إلى صفوف بجدران ومقاعد، بل إلى خيمة تفتقر إلى التهوية الجيدة والمقاعد، لكن ذلك لم يطفئ فرحته بالعودة.
يقول مؤيد، الطالب في خانيونس، إن العام الدراسي الجديد يحمل له الفرح والأمل، رغم أنه يدرس داخل خيمة ويفتقد المقاعد والملابس والأدوات المدرسية، مؤكدًا أن المهم هو أن يعود إلى التعلم.
هكذا بدأ آلاف الطلبة في قطاع غزة عامهم الدراسي الجديد، بعد انقطاع دام نحو ثلاثة أعوام، لكن العودة إلى التعليم الوجاهي جاءت هذه المرة وسط مشهد مختلف؛ مدارس مدمرة، وخيام وكرفانات تحولت إلى صفوف، ومقاعد لا تكفي الجميع، ونقص في القرطاسية والكتب والمستلزمات الأساسية.
ولا تبدأ رحلة هؤلاء الطلبة من النقطة التي انتهى عندها العام الدراسي السابق، بل من بين ركام مدارسهم، حاملين معهم سنوات من الفاقد التعليمي وآثارًا نفسية خلفتها الحرب.
عودة من بين الركام
في شمال غزة، تحاول المؤسسات التعليمية إعادة تشغيل ما يمكن تشغيله من المدارس والمساحات التعليمية، بالتزامن مع عودة السكان إلى المناطق التي أصبح الوصول إليها ممكنًا.
ويقول مدير تربية وتعليم شمال غزة جواد صالحة إن المديرية تمكنت خلال فترة قياسية من إعادة تشغيل 71 وحدة تعليمية في المناطق المسموح بالعودة إليها، يستفيد منها نحو 35 ألف طالب وطالبة.
وتشمل هذه الوحدات، وفق صالحة، 18 مدرسة حكومية مكفولة من اليونيسف، وخمس مدارس خاصة، إلى جانب مراكز ونقاط تعليمية ورياض أطفال.
لكن إعادة تشغيل هذه الوحدات لا تعني أن المدارس عادت إلى صورتها الطبيعية؛ إذ لا تزال أعداد كبيرة من المباني التعليمية متضررة أو مدمرة، فيما تضطر المدارس التي عادت للعمل إلى الاستعانة بمساحات مؤقتة لاستيعاب الطلبة.
خيمة بدل الصف
في بعض المناطق، لم يجد الطلبة مباني مدرسية جاهزة تستقبلهم، فتحولت الخيام إلى فصول دراسية مؤقتة.
وفي مدرسة بمنطقة الصفطاوي، تحولت ساحتها إلى مساحة للتعليم داخل الخيام، يواجه الطلبة ظروفًا مختلفة عن تلك التي اعتادوا عليها في المدارس التقليدية.
ويقول الطالب أصيل أبو قمر، من الصف التاسع، إن صفه يضم نحو 55 طالبًا داخل الخيمة الواحدة، فيما يتجاوز العدد ذلك في بعض الصفوف الأخرى.
ويضيف أن المقاعد والطاولات لا تكفي جميع الطلبة، إذ يتشارك بعضهم الطاولة ذاتها، بينما يضطر آخرون إلى الدراسة من دون طاولة أو مقعد، في ظل اكتظاظ الخيمة بالطلاب.
ولا تقتصر معاناة الطلبة على نقص الأثاث؛ إذ يشتكي أبو قمر من ارتفاع درجات الحرارة داخل الخيمة وانتشار الذباب، ما يزيد صعوبة التركيز ومتابعة الدروس خلال ساعات الدراسة.
وتكشف شهادة أبو قمر جانبًا من التحدي الذي تواجهه المدارس التي لجأت إلى الخيام كحل اضطراري؛ فالمشكلة لا تتعلق فقط بتوفير مكان يجتمع فيه الطلبة، وإنما بقدرة هذا المكان على توفير الحد الأدنى من الظروف التي تجعل التعلم ممكنًا ومريحًا.
وتقول مديرة مدرسة في شمال القطاع  إن مئات الطلبة التحقوا بالمدرسة، لكن كثيرين منهم وصلوا من دون دفاتر أو قرطاسية، فيما لا تزال الاحتياجات الأساسية أكبر من الإمكانات المتاحة.
وتشير إلى أن عدد من الصفوف لديها دون مقاعد فيجلس الطلبة على الأرض ويستخدمون قطعا من الكرتون للكتابة.
ويصف صالحة الخيام بأنها حل اضطراري فرضته الظروف، مؤكدًا أنها لا تصلح لتكون بديلًا دائمًا عن الغرف الصفية.
ويشير إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف، والبرد والأمطار خلال الشتاء، يجعل استمرار الدراسة داخل الخيام تحديًا كبيرًا، فضلًا عن ضيق المساحات مقارنة بأعداد الطلبة.
وفي بعض المدارس التي عادت للعمل، لا تبدو المشكلة أقل حدة؛ إذ يقول صالحة إن أكثر من 70% من المدارس في شمال غزة لا تتوفر فيها مقاعد دراسية كافية، ما يدفع بعض الطلبة إلى استخدام الفرشات أو الدراسة على الأرض.
"المهم أن ندرس"
في أحد الصفوف المؤقتة بمدينة غزة، يقول الطالب أسامة شاهين، البالغ من العمر 11 عامًا، إنه سعيد بالعودة إلى المدرسة، لكنه يفضل أن تكون الدراسة في مبنى عادي تتوفر فيه الطاولات والمقاعد.
ومع ذلك، لا يرى أسامة أن غياب هذه الظروف يجب أن يمنع الدراسة؛ فبعد سنوات من الانقطاع، تبدو العودة إلى المدرسة بالنسبة له خطوة لاستعادة جزء من حياته الطبيعية.
وهذا ما يلمسه المعلمون أيضًا؛ فإعادة الطلبة إلى الصفوف، حتى في ظل ظروف صعبة، تعني استعادة روتين افتقدوه طويلًا، وفتح مساحة للقاء زملائهم ومعلميهم.
 طلبة خارج التعليم
ولا تتمثل الأزمة فقط في المكان الذي سيتعلم فيه الطلبة، بل في أعداد من ينتظرون العودة إلى التعليم.
ويشير صالحة إلى أن نحو 165 ألف طالب وطالبة على مستوى القطاع كانوا خارج مقاعد الدراسة، فيما تعمل الوزارة على إعادتهم من خلال التواصل مع الأسر وقوائم الانتظار وبرامج التعليم الصيفي والاستدراكي.
وتأتي هذه الجهود في وقت تشير فيه اليونيسف إلى أن نحو 700 ألف طفل بين 4 و17 عامًا فقدوا التعليم الوجاهي الرسمي لنحو ثلاثة أعوام دراسية متتالية تقريبًا.
وهكذا، فإن التحدي لا يتمثل فقط في تسجيل الطالب، وإنما في إعادته فعليًا إلى النظام التعليمي، ومعالجة ما فاته، ومنع تحول سنوات الانقطاع إلى تسرب دائم.
سنوات من الفاقد التعليمي
يدخل الطلبة عامهم الجديد محملين بفجوات دراسية تراكمت خلال سنوات الحرب.
ويقر صالحة بوجود فاقد تعليمي تراكمي لدى الطلبة، مشيرًا إلى أن الفجوة وصلت إلى طلبة الثانوية العامة، ولم تعد مقتصرة على المراحل التعليمية الأولى.
ولمواجهة ذلك، اتجهت الوزارة إلى برامج للتعليم الصيفي والاستدراكي، من بينها تخصيص شهرين للتعليم الصيفي، إلى جانب تطبيق نموذج التعليم المسرّع بصورة تجريبية، وإضافة حصص إرشادية وتربوية ورياضية.
وتشير اليونيسف إلى أن الانقطاع الطويل أدى إلى تراجع المهارات الأساسية لدى الأطفال في القراءة والحساب وغيرها من المجالات، ما يجعل استعادة التعليم أكثر من مجرد العودة إلى الجدول الدراسي المعتاد.
فالمعلم لا يشرح المنهاج الجديد فقط، بل يحاول في الوقت ذاته سد فجوات خلفتها سنوات لم يتلق فيها الطالب تعليمًا منتظمًا.
نقص في المستلزمات
ولا تقتصر الأزمة على المبنى أو المقعد؛ فالطالب يحتاج إلى دفتر وقلم وكتاب وغيرها من الأدوات التي تبدو بسيطة، لكنها تصبح أساسية عندما تغيب.
وفي بعض المدارس المؤقتة، يصل الطلبة من دون دفاتر أو قرطاسية، بينما تحاول المبادرات المحلية والمؤسسات الداعمة توفير جزء من هذه الاحتياجات.
ويواجه أولياء الأمور هم أيضًا صعوبة في توفير المستلزمات المدرسية، في ظل الظروف الاقتصادية القاسية، ما يدفع بعض الأسر إلى إعادة استخدام الحقائب والأدوات القديمة.
ويقول مؤيد أبو مصطفى إن الأدوات المدرسية أصبحت أكثر كلفة، وإن بعض الطلبة لا يملكون الملابس والأحذية المناسبة للمدرسة. 
فبينما تبدأ الدراسة اليوم من خيمة أو صف مؤقت، يبقى الهدف أبعد من ذلك: أن تتحول هذه المساحات المؤقتة من حل اضطراري إلى جسر يعيد الأطفال إلى مدارسهم، ويعيد للتعليم مكانته كمساحة آمنة للتعلم وبناء المستقبل.

اخبار ذات صلة