مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

أطفال غزة.. جيل يحمل آثار الحرب في سلوكه وذاكرته

الرسالة نت - متابعة

لم تعد آثار الحرب على أطفال غزة تُقاس فقط بما فقدوه من منازل ومدارس وأفراد من عائلاتهم، بل باتت تظهر في تفاصيل حياتهم اليومية وسلوكياتهم؛ طفل يفزع من النوم على وقع الكوابيس، وآخر يعاني التبول اللاإرادي أو المشي أثناء النوم، وثالث يصبح أكثر عدوانية وإحباطًا، فيما يتحول حمل المياه والبحث عن الطعام والمأوى إلى جزء من يومه بدلًا من اللعب والتعلم.

ويحذر مختصون من أن هذه المظاهر ليست مجرد ردود فعل عابرة على ظروف قاسية، بل مؤشرات على صدمات نفسية متراكمة يعيشها أطفال القطاع منذ سنوات، في ظل استمرار النزوح وانعدام الأمان وتدهور الظروف المعيشية، الأمر الذي يهدد بترك آثار طويلة الأمد على صحتهم النفسية ونموهم وقدرتهم على التعلم والاندماج في المجتمع.

الخوف يتحول إلى سلوك يومي

 

ويقول مدير برنامج غزة للصحة النفسية المجتمعية ياسر أبو جامع، في حديث لصحيفة "بلفاست تيلغراف"، إن عدم توفير الدعم النفسي المناسب للأطفال قد يؤدي إلى "فقدان جيل كامل"، محذرًا من أن آثار الصدمة يمكن أن تمتد إلى الأجيال المقبلة.

وبحسب أبو جامع، ظهرت على أطفال غزة أعراض متعددة نتيجة التعرض المستمر للأحداث الصادمة، من بينها التبول اللاإرادي، والفزع الليلي، والكوابيس، والمشي أثناء النوم، إلى جانب العدوانية والإحباط باعتبارهما من أساليب التأقلم السلبية مع الواقع المحيط.

ويشير الطبيب إلى أن الطفل في غزة لا يعيش صدمة مرتبطة بحدث واحد يمكن أن ينتهي بانتهائه، إذ تتكرر أمامه مشاهد الخوف والفقدان والنزوح، بينما تظل احتياجاته الأساسية غير متوفرة.

ويقول أبو جامع إن "التأثير النفسي لسنتين من التعرض المستمر للصدمة لم يتوقف"، لأن الأحداث الصادمة ما زالت تحدث، في وقت لا تتوافر فيه الموارد اللازمة للتعافي.

ويضيف أن الخسائر لا تقتصر على فقدان الأرواح والمنازل، بل تشمل فقدان الشعور بالأمان وصعوبة الحصول على المياه والغذاء ومكان مناسب للعيش، وهي ظروف تجعل الطفل في حالة تأهب وخوف مستمرين.

ويلخص أبو جامع حجم التحول الذي أصاب حياة الأطفال بقوله: "تخيل طفلًا مهمته اليومية ليست اللعب أو الذهاب للمدرسة، بل حمل الماء بأوانٍ ثقيلة عدة مرات يوميًا".

أكثر من مليون طفل بحاجة إلى الدعم

وتتجاوز الأزمة النفسية حدود الحالات الفردية، وفق بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان التي عرضتها مسؤولة برنامج المراهقين والشباب في الصندوق سيما العلمي خلال حوار مع أخبار الأمم المتحدة.

وتقول العلمي إن أكثر من مليون طفل في غزة بحاجة إلى خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، فيما يشعر 96% منهم بأن الموت وشيك، وهي نسبة قالت إنها تعكس عمق الخوف والصدمة التي يعيشها الأطفال يوميًا.

ولا يتوقف الأمر عند الأطفال، إذ تشير البيانات التي أوردتها العلمي إلى أن نحو 61% من المراهقين والشباب يعانون اضطراب ما بعد الصدمة، و38% من الاكتئاب، و41% من القلق.

وتقول العلمي إن هذه الأرقام لا تعكس مجرد ضائقة نفسية، بل حالة طوارئ صحية نفسية واسعة النطاق.

تتداخل الصدمة النفسية مع ظروف إنسانية قاسية يعيشها أطفال القطاع، من الجوع وفقدان الوزن وتأخر النمو إلى النزوح المتكرر والعيش في الخيام والملاجئ.

ويشير أبو جامع إلى أن نحو 90% من سكان غزة يعيشون حاليًا في مناطق نزوح، في ظروف تفتقر إلى كثير من مقومات الحياة الأساسية، بينما تقدم مؤسسات الصحة النفسية الدعم لآلاف الأشخاص عبر مراكز مجتمعية متنقلة داخل مناطق النزوح.

ويحذر من أن احتياجات الأطفال الأساسية لا تزال غير متوفرة، وعلى رأسها التعليم، الذي يحاول العودة بعد انقطاع طويل وفي ظروف غير ملائمة، ما يضاعف الخسارة التعليمية والنفسية التي تعرض لها الأطفال.

فبالنسبة لطفل عاش سنوات من الحرب والنزوح، لا تمثل العودة إلى المدرسة مجرد استئناف للدراسة، وإنما محاولة لاستعادة روتين فقده، وبناء الإحساس بالأمان والانضباط والقدرة على التواصل مع الآخرين.

ولهذا يؤكد أبو جامع أن التدخل المبكر يمثل أساسًا لإعادة الأطفال إلى المدارس ومساعدتهم على استعادة مهاراتهم، محذرًا من أن إهمال الدعم النفسي قد يعني خسارة أكثر من جيل، نتيجة إمكانية انتقال آثار الصدمات عبر الأجيال.

طفولة مؤجلة

في غزة، لم يعد اللعب والذهاب إلى المدرسة والعيش مع الأسرة في منزل آمن من المسلمات اليومية بالنسبة إلى الأطفال. فقد اضطر كثير منهم إلى تحمل مسؤوليات تفوق أعمارهم، فيما أصبحت مشاهد الدمار والنزوح والفقدان جزءًا من ذاكرتهم المبكرة.

وتزداد خطورة ذلك عندما تستمر الظروف التي أنتجت الصدمة أصلًا، إذ يصبح التعافي النفسي أكثر صعوبة في ظل غياب الأمان والغذاء والتعليم والسكن المستقر.

كما أن الفتيات يواجهن مخاطر إضافية في ظل تدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية. ووفق ما نقلته العلمي عن بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان، أفاد 71% من المشاركين في دراسة حديثة بزيادة الضغط لتزويج فتيات دون سن 18 عامًا، فيما ارتفعت نسبة حالات الحمل بين المراهقات.

وترى العلمي أن بعض الأسر قد تنظر إلى زواج القاصرات بوصفه وسيلة للبقاء أو الحماية في ظل النزوح والفقر وانعدام الأمن، بينما يحمل الزواج المبكر بدوره مخاطر نفسية وصحية واجتماعية إضافية على الفتيات.

وفي مواجهة هذا الواقع، لا يرى المختصون أن علاج آثار الحرب النفسية يمكن أن يقتصر على جلسات العلاج النفسي، لأن الطفل يحتاج في الوقت نفسه إلى بيئة آمنة، وغذاء، وتعليم، ومأوى، واستقرار أسري ومجتمعي.

وقد وسع صندوق الأمم المتحدة للسكان خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب المساحات الآمنة للنساء والفتيات والمراكز الشبابية، فيما تقدم البرامج جلسات جماعية وإسعافات أولية نفسية واستشارات فردية وخدمات دعم عن بُعد.

لكن حجم الاحتياج يبقى أكبر من الموارد المتاحة، في وقت تعمل فيه بعض مراكز الدعم داخل خيام وفي ظروف صعبة.

وبينما ينشغل العالم بحساب أعداد الضحايا وحجم الدمار المادي في غزة، تتشكل خسارة أخرى داخل ذاكرة الأطفال وسلوكهم وشخصياتهم؛ خسارة قد لا تظهر في صور الأنقاض، لكنها قد ترافق الطفل لسنوات طويلة.

فالأعراض التي تبدو في ظاهرها بسيطة، كالكابوس أو التبول اللاإرادي أو نوبات الخوف والعدوانية، قد تكون لغة طفل لم يعد قادرًا على التعبير بالكلمات عما عاشه.

ومن هنا، فإن إنقاذ أطفال غزة لا يرتبط فقط بإبقائهم على قيد الحياة، بل بمنحهم فرصة لاستعادة طفولتهم، والتعلم، والشعور بالأمان، وبناء حياة لا تكون الحرب فيها جزءًا دائمًا من ذاكرتهم.

 

بث مباشر