أمام مقر جهاز الأمن الوقائي في مدينة دورا جنوب الخليل، اختار جهاد عمرو أن يبدأ اعتصاما مفتوحًا، مطالبًا بمعرفة مصير نجله بلال وأسباب اعتقاله، بعدما تحول استدعاؤه إلى احتجاز ونقل إلى مقر الجهاز في الخليل.
في صباح 21 سبتمبر/أيلول، استُدعي بلال جهاد عمرو، قبل أن يتحول الاستدعاء إلى اعتقال، وفق ما أفادت به عائلته. وتقول الأسرة إنها لم تتبلغ رسميًا حتى الآن بأسباب احتجازه أو التهم الموجهة إليه.
اعتقال بلال يأتي في وقت تصاعدت فيه خلال الأشهر الأخيرة تحذيرات ومواقف حقوقية بشأن الاعتقالات التي تنفذها الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة.
يقول المحامي مهند كراجة، مدير مجموعة "محامون من أجل العدالة"، إن الاعتقالات السياسية في الضفة الغربية شهدت تصعيدًا، مشيرًا إلى أنها طالت نشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان وأعضاء في حزب التحرير، إضافة إلى أشخاص جرى استدعاؤهم أو احتجازهم بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأشار إلى أن الاعتقالات تتركز، وفق ما ترصده المجموعة، في محافظات من بينها الخليل ورام الله ونابلس، إلى جانب استدعاءات في جنين طالت ناشطات اجتماعيات.
100 حالة
وفي سياق متصل، قال المحامي ظافر صعايدة، من مجموعة "محامون من أجل العدالة"، لـ«الرسالة» إن الاعتقالات التي تنفذها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية تواصلت خلال الأشهر الستة الأخيرة، مشيرًا إلى وجود عشرات المعتقلين على خلفية الانتماء السياسي وحرية الرأي والتعبير.
وأوضح صعايدة أن جزءًا كبيرًا من هذه الاعتقالات صدر بحقه قرارات قضائية بالإفراج، إلا أن السلطة الفلسطينية امتنعت عن تنفيذها، معتبرًا أن استمرار احتجاز أشخاص رغم صدور قرارات بالإفراج عنهم يمثل مخالفة قانونية.
وكشف أن المجموعة وثقت 214 حالة اعتقال خلال عام 2025، فيما سجلت ما لا يقل عن 100 حالة اعتقال منذ بداية عام 2026 وحتى 20 سبتمبر/أيلول، لافتًا إلى أن هذا العام شهد كذلك 113 قرار إفراج لم تنفذه السلطة.
وأضاف صعايدة أن المجموعة وثقت خلال الفترة ذاتها 26 حالة تعذيب و146 انتهاكًا يتعلق بسوء المعاملة، في سياق متابعتها لأوضاع المعتقلين وشكاوى ذويهم.
وحول اعتصام والد أحد المعتقلين أمام مقر جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية، اعتبر صعايدة أن لجوء الأهالي إلى الاحتجاج السلمي والمطالبة بالإفراج عن أبنائهم خطوة مهمة في مواجهة ما وصفه باستمرار الاعتقالات التي لا تستند، إلى أساس قانوني.
وأشار إلى أن هذه الممارسات، تتعارض مع الالتزامات التي ترتبت على انضمام السلطة الفلسطينية إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، داعيًا إلى احترام الضمانات القانونية وحقوق المعتقلين.
وقال صعايدة إن مجموعته عملت خلال عامي 2025 و2026 على متابعة قرارات الإفراج التي لم تنفذ، معتبرًا أن إبقاء المعتقلين رغم صدور قرارات قضائية بالإفراج عنهم لا يستند إلى سند قانوني.
ولفت إلى أن المشكلة تتفاقم في ظل عدم التزام النيابة العامة بتنفيذ قرارات الإفراج، مؤكدًا أن احترام الأحكام والقرارات القضائية يمثل جزءًا أساسيًا من ضمانات سيادة القانون وحماية حقوق المحتجزين.
تحذيرات حقوقية
وفي 23 يوليو/تموز 2026، حذر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة من استمرار السلطة برام الله في استخدام الاحتجاز التعسفي والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة بحق فلسطينيين في الضفة الغربية.
وقال المكتب إن المحتجزين شملوا صحفيين ومعارضين ونشطاء سياسيين، وإنه تلقى معلومات عن تعرض بعض المحتجزين للضرب المبرح والجلد والحبس الانفرادي لفترات طويلة، إلى جانب أوضاع إجهاد مؤلمة أثناء التحقيق.
وطالب المكتب السلطة بوقف الاحتجاز التعسفي وغير القانوني والتعذيب وسوء المعاملة، وضمان حق المحتجزين في الطعن في قانونية احتجازهم أمام القضاء، وإجراء تحقيقات مستقلة ونزيهة وفعالة في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة، ومحاسبة المسؤولين عنها.
في حالة جهاد عمرو، يبقى السؤال الأول والأكثر إلحاحًا: لماذا اعتُقل بلال؟
فالعائلة تقول إنها لم تتلقَّ توضيحًا رسميًا بشأن أسباب احتجازه، بينما لا تتوفر حتى الآن معلومات مستقلة تثبت تعرضه للتعذيب أو سوء المعاملة.
لكن القضية تأتي في ظل أرقام وتصريحات حقوقية تتحدث عن اتساع نطاق الاعتقالات في الضفة، وتحذيرات أممية من الاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة، في وقت تؤكد فيه الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان ضرورة احترام القانون وحقوق المواطنين ومتابعة الشكاوى المتعلقة بمراكز التوقيف.
وبينما ينتظر جهاد عمرو إجابة عن مصير ابنه، يبقى الاعتصام أمام مقر الأمن الوقائي في دورا تعبيرًا عن مطلب واحد: أن يعرف الأب لماذا أُخذ ابنه، وأن يطمئن إلى سلامته، وأن يخضع أي احتجاز للضمانات التي يكفلها القانون.