لم تجد عائلة زرابي أمامها خيارًا سوى العودة إلى ما تبقى من منزلها المتضرر، رغم التصدعات التي أصابت سقفه وجدرانه وحولته إلى مكان مهدد بالانهيار في أي لحظة.
فالمنزل الذي تعرض للقصف الإسرائيلي لم يعد صالحًا للسكن، لكن غياب البديل، وانعدام القدرة على استئجار منزل آخر، وعدم توفر مواد البناء اللازمة للترميم، دفع العائلة إلى المجازفة بحياتها والإقامة فيه.
ويقول محمد زرابي، رب العائلة، إنه يعيش برفقة سبعة من أفراد أسرته داخل المنزل الذي تعرض للقصف الإسرائيلي خلال فترة نزوح العائلة من مدينة خان يونس إلى رفح في مارس/آذار 2024.
ويضيف زرابي لـ"الرسالة نت": "قبل فترة سقطت حجارة من سقف المنزل، ونحن ندرك أن هناك خطرًا حقيقيًا من انهياره، لكن لا يوجد أمامنا أي خيار آخر، ولا مكان يمكن أن نذهب إليه".
ويشير إلى أن تجربة العيش في الخيام دفعت عائلته للعودة إلى المنزل رغم خطورته، موضحًا أن ظروف الخيام من شدة الحر والبرد وانعدام الخصوصية وصعوبة توفير مقومات الحياة الأساسية جعلت الإقامة داخل المنزل المتصدع تبدو بالنسبة للعائلة الخيار الأقل قسوة.
وعائلة زرابي ليست حالة استثنائية، بل واحدة من آلاف الأسر التي دفعتها أزمة الإيواء إلى العودة لمنازل متضررة أو مبانٍ فقدت جزءًا كبيرًا من سلامتها الإنشائية، في ظل تعثر عمليات الإعمار وعدم توفر أماكن بديلة تستوعب أعداد النازحين.
ألفا مبنى مهدد بالانهيار
وتكشف معطيات الدفاع المدني في قطاع غزة عن اتساع دائرة الخطر، مع استمرار تلقي الجهاز بشكل يومي بلاغات ومناشدات من مواطنين يعيشون داخل مبانٍ متضررة ويخشون انهيارها فوق رؤوسهم.
وأكد المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة، محمود بصل، أن الجهاز يتلقى بصورة مستمرة إخطارات من مواطنين حول المباني التي يقطنونها، بعد ظهور تصدعات أو مؤشرات خطرة تهدد بانهيارها.
وأوضح بصل لـ"الرسالة نت" أن التقديرات الميدانية تشير إلى وجود قرابة ألفي مبنى ووحدة سكنية متضررة وآيلة للسقوط في مناطق مختلفة من قطاع غزة، وأن عددًا كبيرًا منها أصبح غير قابل للسكن ويحتاج إلى الإخلاء أو التدعيم أو الهدم المنظم منعًا لوقوع كوارث جديدة. وتشير تصريحات منشورة للدفاع المدني إلى أن نحو 20 ألف مواطن يضطرون للبقاء في مبانٍ مهددة في ظل عدم وجود بدائل سكنية آمنة.
وقال بصل إن خطورة المشهد لا تقتصر على الأبنية التي تعرضت لدمار مباشر وكبير، إذ توجد مبانٍ تبدو من الخارج قائمة لكنها تعرضت لأضرار عميقة في الأعمدة والأساسات والأسقف نتيجة القصف والانفجارات المتكررة، الأمر الذي يجعل تقييمها هندسيًا ضرورة لا تحتمل التأخير.
وأضاف أن الدفاع المدني أمام واقع بالغ الصعوبة، فالمواطن قد يبلغ عن وجود تصدعات خطرة في منزله، لكن مجرد مطالبته بالإخلاء لا يحل المشكلة، لأنه يسأل مباشرة: "إلى أين أذهب؟"، في ظل نقص الخيام وغياب مراكز إيواء كافية وعدم توفر مساكن بديلة.
وكان جهاز الدفاع المدني قد أعلن تلقيه نحو 150 نداء استغاثة خلال 24 ساعة فقط من سكان مبانٍ متضررة وآيلة للسقوط، وهو ما اعتبره مؤشرًا على اتساع نطاق الخطر الذي يهدد السكان، خصوصًا مع العوامل الجوية والأمطار التي يمكن أن تزيد ضعف المباني المتصدعة.
وحذر بصل من أن استمرار بقاء المواطنين داخل الأبنية المصنفة خطرة قد يقود إلى تكرار حوادث الانهيار وسقوط المزيد من الضحايا، مؤكدًا أن قطاع غزة يمر بمرحلة "خطيرة وحساسة" في ظل وجود هذا العدد الكبير من المباني المتداعية.
وشدد على أن الدفاع المدني يحتاج بصورة عاجلة إلى آليات ومعدات ثقيلة ومعدات إنقاذ وهدم، سواء للتعامل مع الأبنية التي تشكل خطرًا مباشرًا أو للوصول إلى الضحايا في حال وقوع انهيارات، في ظل ضعف الإمكانات المتاحة لطواقمه.
وتضاعفت المخاوف من المباني المتضررة عقب انهيار مبنى سكني متضرر في مدينة غزة منتصف سبتمبر/أيلول الجاري، ما أدى إلى استشهاد 21 شخصًا، فيما تمكنت فرق الإنقاذ من إخراج 45 شخصًا من تحت الركام. وأعادت الحادثة تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه الأسر التي تعيش داخل مبانٍ أصابها القصف بأضرار إنشائية جسيمة.
قنبلة موقوتة
من جهته، أكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، إسماعيل الثوابتة، أن ظاهرة المباني والمنازل المتصدعة والآيلة للسقوط تحولت إلى ما يشبه "قنبلة موقوتة" تهدد حياة آلاف الأسر.
وقال الثوابتة لـ"الرسالة نت"، إن هذا الواقع يمثل نتيجة مباشرة للأضرار الجزئية والعميقة التي خلفها القصف الإسرائيلي للأحياء السكنية، إلى جانب عوامل التعرية وتأخر عمليات إعادة الإعمار وعدم إدخال ما يكفي من مواد البناء اللازمة لترميم المباني المتضررة.
وأوضح أن لجوء الكثير من العائلات إلى السكن داخل المباني المتصدعة لم يكن خيارًا طبيعيًا، وإنما جاء اضطرارًا بفعل أزمة الإيواء الخانقة وتآكل الخيام والمساكن المؤقتة مع مرور الوقت، بالإضافة إلى قلة المساحات والأراضي المتاحة لإقامة مراكز إيواء جديدة.
وأشار إلى أن استمرار الأزمة يجعل آلاف المواطنين أمام مفاضلة قاسية بين البقاء في خيمة لا توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة، وبين العودة إلى منزل متضرر قد ينهار في أية لحظة.
وبحسب الثوابتة، أعدت الوزارات والمؤسسات الحكومية خطة للتعامل مع ملف المباني المهددة بالانهيار عبر عدة مسارات متوازية، في محاولة لمنع وقوع المزيد من الكوارث.
وبيّن أن أحد أبرز هذه المسارات يتمثل في التقييم الهندسي العاجل، حيث تعمل الجهات المختصة واللجان الهندسية، بمشاركة وزارة الأشغال العامة والإسكان والبلديات والجهات الهندسية ذات العلاقة، على معاينة المباني وتصنيفها وفق درجة الخطورة.
وأوضح أن عمليات التصنيف تفرق بين المباني شديدة الخطورة التي تستوجب الإخلاء الفوري، وتلك التي يمكن تدعيمها بصورة عاجلة، إلى جانب مبانٍ تحتاج إلى ترميمات هندسية قبل السماح باستمرار السكان فيها.
وأضاف أن الجهات المختصة تعمل كذلك على إصدار التحذيرات والمناشدات للسكان، ومحاولة تنفيذ تدخلات طارئة لمنع الانهيارات المفاجئة، خصوصًا مع المنخفضات الجوية والأمطار التي قد تزيد من خطورة المباني التي تضررت أساساتها وأسقفها.
لكن التحدي الأكبر، وفق الثوابتة، لا يتعلق فقط بإصدار قرار بإخلاء مبنى خطر، وإنما بتوفير مكان آمن للعائلة التي تقيم بداخله. وقال: "من الصعب إجبار مواطن على إخلاء مكان سكنه، مهما بلغت خطورته، دون أن توفر له مكانًا بديلًا وآمنًا".
وأشار إلى أن الجهات المعنية تسعى إلى وضع سكان المباني المصنفة شديدة الخطورة ضمن أولوية خطط الإيواء الطارئة، بحيث يجري إخلاؤهم قبل حدوث أي انهيار محتمل.
وتكشف هذه المعضلة حجم الأزمة التي تعاني منها الأسر؛ فالكثير منها يدرك خطورة المكان الذي يعيش فيه، لكنه يظل داخله لعدم وجود خيمة أو أرض أو منزل آخر يستطيع الانتقال إليه.
ويرى الثوابتة أن الإجراءات الطارئة، على أهميتها، لن تكون قادرة وحدها على إنهاء الأزمة، مؤكدًا أن الحل الجذري يتطلب تسريع عملية إعادة الإعمار، وإدخال مواد ومعدات البناء والهندسة، وتوجيه جانب من التمويل الدولي نحو ترميم المباني المتضررة إنشائيًا قبل تحولها إلى ركام كامل.
كما شدد على ضرورة توفير الإمكانات اللازمة لإزالة المباني التي يثبت هندسيًا استحالة ترميمها، لما تمثله من تهديد مباشر للمباني والمنازل المجاورة والمارة.
وأكد أن تأخير التدخل في هذا الملف يعني استمرار المخاطرة بأرواح آلاف المواطنين، داعيًا إلى تكامل جهود المؤسسات الحكومية والبلديات والجهات الهندسية والمؤسسات الدولية لتوفير بدائل سكنية آمنة ومعالجة المباني الخطرة.