حذّر رئيس مركز القدس الدولي د. حسن خاطر من تصاعد المخططات الإسرائيلية الهادفة إلى فرض تقسيم مكاني دائم داخل المسجد الأقصى المبارك، مؤكدًا أن الاحتلال قطع شوطًا متقدمًا في السيطرة العملية على المنطقة الشرقية من المسجد، والتي تشكل، بحسب تقديره، نحو ثلث مساحته، ويسعى إلى تحويلها تدريجيًا إلى منطقة عبادة يهودية دائمة.
وقال خاطر في تصريح لـ"الرسالة نت" إن ما يجري في المسجد الأقصى لم يعد مجرد اقتحامات عابرة أو محاولات لأداء طقوس بصورة مؤقتة، بل تحول إلى مسار منظم لإعادة تشكيل واقع المسجد وفرض وقائع جديدة داخله، تبدأ بالمنطقة الشرقية وتمتد لاحقًا إلى بقية ساحاته.
وأضاف أن الاحتلال "استقطع عمليًا ثلث مساحة المسجد الأقصى في المنطقة الشرقية"، من خلال تكثيف الاقتحامات إليها، وإقامة الطقوس والصلوات اليهودية بصورة متكررة، ومنح المستوطنين مساحات واسعة للحركة وأداء الشعائر، في مقابل تضييق متواصل على الوجود الإسلامي ودور الأوقاف.
وتشهد الساحة الشرقية للأقصى خلال الأشهر الأخيرة توسعًا ملحوظًا في أداء المستوطنين للطقوس الدينية، وسط تحذيرات فلسطينية ومقدسية من سعي جماعات "الهيكل" إلى تثبيت هذه المنطقة كنقطة صلاة يهودية دائمة. وكانت مؤسسة القدس الدولية قد حذرت في يوليو/تموز الماضي من استفراد المقتحمين بالساحة الشرقية وأداء طقوسهم فيها بما يشبه "كنيسًا غير معلن"، مع خطوات رأت أنها تمهد لاقتطاع المنطقة.
وأوضح خاطر أن خطورة ما يجري تكمن في الانتقال التدريجي من مرحلة السماح بالطقوس إلى مرحلة تكريس وجود يهودي ثابت داخل المسجد، محذرًا من أن الهدف النهائي هو تحويل المنطقة الشرقية إلى كنيس فعلي داخل الأقصى.
وأشار إلى أن الجماعات الاستيطانية تعمل، وفق تقديره، بسياسة "القضم التدريجي"، حيث تبدأ بفرض طقوس فردية، ثم جماعية، ثم إدخال أدوات ومظاهر دينية، وصولًا إلى تثبيت المكان باعتباره موقعًا دائمًا للعبادة اليهودية.
وكان خاطر قد حذر قبل أيام من مخطط يستهدف المنطقة الشرقية قرب باب الرحمة، معتبرًا أن التحركات الإسرائيلية تحاول الحصول على "موطئ قدم ثابت" داخل المسجد، يبدأ من تلك المنطقة ثم يتوسع تدريجيًا.
وقال إن "المشهد اليوم أخطر بكثير من السنوات الماضية، لأن الاحتلال لم يعد يخفي أهدافه أو يتعامل مع هذه الممارسات بوصفها خطوات فردية من المستوطنين، بل بات يوفر لها الغطاء السياسي والأمني بشكل مباشر".
وربط خاطر بين الزيارات السياسية الإسرائيلية للمسجد الأقصى وبين الخطوات الجارية في المنطقة الشرقية، معتبرًا أن أي زيارة يقوم بها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أو وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى المسجد تأتي في سياق تثبيت هذا الواقع والإشراف على مراحل فرض السيطرة الإسرائيلية عليه.
وقال إن هذه الزيارات "لا يمكن فصلها عن مشروع استقطاع المنطقة الشرقية"، معتبرًا أنها تهدف إلى الانتقال من مرحلة فرض الطقوس إلى مرحلة منحها غطاءً سياسيًا رسميًا، وصولًا إلى فرض ما يسميه الاحتلال "السيادة الإسرائيلية" على أجزاء من المسجد.
وأضاف أن وجود مسؤولين إسرائيليين داخل الأقصى يحمل، بحسب تقديره، رسالة سياسية بأن الملف لم يعد محصورًا في جماعات "الهيكل"، بل أصبح جزءًا من سياسات تتبناها مستويات رسمية في حكومة الاحتلال.
وتظهر تطورات الأشهر الأخيرة اتساع نطاق الطقوس اليهودية في المنطقة الشرقية من الأقصى، بمشاركة شخصيات سياسية ودينية إسرائيلية، فيما تحدثت تقارير عن تراجع القيود التي كانت تفرض سابقًا على هذه الممارسات.
ورأى رئيس مركز القدس الدولي أن الاحتلال لا يحتاج في المرحلة الحالية إلى إعلان رسمي عن تقسيم المسجد الأقصى، طالما أنه يستطيع فرض هذا التقسيم على الأرض بصورة تدريجية.
وقال إن "الاستقطاع الحقيقي يبدأ عندما تصبح منطقة من المسجد تحت سيطرة المستوطنين في أوقات محددة، ويؤدون فيها طقوسهم بحرية، بينما يتراجع الحضور الإسلامي فيها"، معتبرًا أن هذا الواقع بات ظاهرًا بصورة خاصة في المنطقة الشرقية.
وأضاف أن الاحتلال يحاول تحويل الأمر إلى "واقع معتاد"، بحيث تصبح مشاهد المستوطنين وهم يؤدون الطقوس داخل المسجد جزءًا طبيعيًا من المشهد اليومي، قبل الانتقال إلى خطوات أكبر.
وتابع أن أخطر ما في المرحلة الراهنة هو محاولة نقل الأقصى من "التقسيم الزماني غير المعلن" إلى تقسيم مكاني واضح، تكون فيه المنطقة الشرقية أول مساحة يتم تخصيصها بصورة شبه كاملة للطقوس اليهودية.
تجربة المسجد الإبراهيمي
وأشار خاطر إلى أن ما يجري في المسجد الأقصى يعيد، وفق رؤيته، تجربة الاحتلال في المسجد الإبراهيمي بالخليل، حيث بدأ الأمر بإجراءات تدريجية قبل أن ينتهي إلى تقسيم مكاني واضح.
وسبق لخاطر أن وصف المسجد الإبراهيمي بأنه "ساحة اختبار" للإجراءات التي يسعى الاحتلال لاحقًا إلى نقلها للأقصى، مشيرًا إلى أن سياسات التقسيم الزماني والمكاني التي طبقت في الخليل تمثل نموذجًا تستند إليه المشاريع الإسرائيلية في القدس.
وحذّر من أن القبول بالواقع الجاري في الساحة الشرقية من الأقصى قد يفتح الباب أمام خطوات مماثلة في أجزاء أخرى من المسجد.
معركة على هوية المسجد
وأكد خاطر أن القضية لم تعد تتعلق فقط بعدد المقتحمين أو توقيت الاقتحامات، بل بهوية المسجد الأقصى ومستقبله ووحدة مساحته البالغة نحو 144 دونمًا.
وشدد على أن الاحتلال يسعى، بحسب تقديره، إلى تفكيك مفهوم المسجد باعتباره وحدة واحدة، وتحويله إلى ساحات وأجزاء يمكن إخضاع كل منها لترتيبات مختلفة، تمهيدًا لفرض تقسيم مكاني دائم.
ودعا إلى التعامل مع ما يجري باعتباره تحولًا استراتيجيًا وليس حادثًا موسميًا مرتبطًا بالأعياد اليهودية، محذرًا من أن تثبيت أي نقطة عبادة يهودية دائمة داخل المسجد سيشكل مرحلة جديدة في مسار السيطرة عليه.
وختم خاطر بالقول إن المعركة الأساسية الآن تتمثل في منع تثبيت عملية الاستقطاع في المنطقة الشرقية، مؤكدًا أن تركها تتحول تدريجيًا إلى مساحة خاضعة للطقوس اليهودية سيجعل الانتقال إلى إعلان كنيس أو فرض سيادة إسرائيلية عليها "مسألة مراحل وليس بداية مشروع جديد".