قائمة الموقع

عائلة معمر.. يوم واحد فقد فيه الأب أبناءه وأحفاده ووالدته وشقيقته

2026-09-20T20:34:00+03:00
الرسالة نت - خاص


لم يكن أبو عبد الله معمر يعرف، حين اجتمعت عائلته داخل منزلها في حي النصر بمنطقة "موراج" شمال مدينة رفح، أن دقائق قليلة ستكون كافية لتبدّل شكل حياته إلى الأبد، وأن البيت الذي احتضن أبناءه وأحفاده ووالدته وأقاربه سيغدو في لحظة واحدة ركامًا يحمل تحته وجوهًا وأسماء وذكريات عمر كامل.

كان ذلك في مارس/آذار 2024، حين استهدفت طائرة حربية إسرائيلية منزل العائلة بصورة مفاجئة، وفق رواية أبو عبد الله لـ"الرسالة"، ليتحول المكان إلى ساحة من الدمار والفقد، وتفقد العائلة عددًا كبيرًا من أفرادها دفعة واحدة.

لم يفقد أبو عبد الله منزله فقط؛ ففي ذلك اليوم فقد أبناءً وأحفادًا، وودّع والدته وشقيقته وأقارب آخرين، فيما ظل هو وزوجته على قيد الحياة يحملان منذ تلك اللحظة ذاكرة يوم يقول إنه لا يغادر تفاصيله مهما مضى الوقت.

يستعيد أبو عبد الله اللحظات الأولى لذلك اليوم بصعوبة، ويقول إن القصف جاء بصورة مفاجئة ومخيفة، وإن كل شيء حدث خلال لحظات لم تترك للعائلة مجالًا لفهم ما يجري أو الاستعداد له.

ويقول لـ"الرسالة": "القصف كان مفاجئًا ومخيفًا، كل شيء حدث في لحظات"، موضحًا أنه لم يكن يتخيل أن المنزل الذي كان يجمع أفراد أسرته ويتقاسمون داخله تفاصيل حياتهم اليومية سيصبح في لحظة مكانًا للفقد والدمار.

لم يقتصر أثر القصف على منزل العائلة، بل امتد، وفق أبو عبد الله، إلى منازل مجاورة، مخلفًا دمارًا واسعًا ومشهدًا يقول إنه لا يستطيع محوه من ذاكرته.

وبالنسبة للرجل، لم تكن قسوة المشهد في الحجارة والجدران التي تهدمت، بل في الأشخاص الذين غابوا تحتها.

هناك، كانت أمه، وأبناؤه، وأحفاده، وشقيقته وأبناء وأقارب آخرون، كانوا قبل لحظات جزءًا من يوم عائلي عادي، ثم أصبحت أسماؤهم مرتبطة بتاريخ واحد لا يستطيع أبو عبد الله أن ينساه.

أسماء لا تغادر الذاكرة
حين يتحدث أبو عبد الله عن ضحايا عائلته، لا يذكر أرقامًا فقط، بل أسماء وأعمارًا؛ لكل واحد منهم مكان في البيت وذكرى وحكاية.

من بين من فقدهم في ذلك اليوم والدته، الحاجة خلدية سليمان معمر، وشقيقته إيمان محمود معمر، وابنها حذيفة الفرا، 23 عامًا.

كما استشهدت إيمان عبد العزيز محمود معمر، 24 عامًا، وباسل عبد العزيز محمود معمر، 23 عامًا، ومن أبنائه إبراهيم زكريا محمود معمر، 22 عامًا، وعبد الله معمر.

وطالت الخسارة كذلك آية ياسر عيد أبو معمر، 22 عامًا، وريم هاني جلال الفرا، 20 عامًا، وبيان بشير سعيد أبو سعود، 19 عامًا، وسما هاني جلال الفرا، 17 عامًا.
وكان الأطفال أيضًا بين الضحايا؛ إذ فقدت العائلة آدم محسن سليمان أبو معمر وإسلام زكريا محمود أبو معمر وأسماء محسن سليمان أبو معمر، وكان كل منهم في الرابعة عشرة من العمر.

أما أصغر من فقدتهم العائلة، فكانا محمد محسن سليمان أبو معمر وميمونة عبد الله زكريا معمر، وكلاهما لم يتجاوز عامه الثاني.

أسماء كثيرة يحملها أبو عبد الله في ذاكرته، لكنها بالنسبة إليه ليست قائمة لشهداء سقطوا في قصف واحد؛ بل عائلة كاملة كانت تتحرك حوله كل يوم، أطفالًا وشبابًا ونساءً وأقارب، قبل أن تنطفئ أصوات كثيرة منها في ليلة واحدة.

يصف أبو عبد الله ذلك اليوم بأنه من أقسى الأيام التي مرت عليه منذ بداية الحرب؛ فالخسارة، كما يقول، كانت أكبر من أن يستوعبها في لحظتها.

لم يكن أمامه وقت ليحزن على شخص ثم يودع آخر، فقد جاء الفقد جماعيًا، وتتابعت الأسماء أمامه دفعة واحدة.
أم فقدها، وأبناء رحلوا، وأحفاد لن يعودوا يركضون حوله، وشقيقة وأقارب غابوا في اللحظة ذاتها.
نجا أبو عبد الله وزوجته من القصف، لكن النجاة، بالنسبة إليه، لم تعنِ انتهاء ذلك اليوم.

ظل المشهد يرافقه بعد خروجه من رفح ونزوحه إلى مواصي خان يونس، وظلت تفاصيل البيت ومن كان بداخله حاضرة في ذاكرته.

ويقول إن ما وقع كان "مجزرة بحق العائلة"، مشيرًا إلى أن غالبية من فقدهم كانوا من النساء والأطفال.

ثم رحلوا
بعد انتشال جثامين أفراد العائلة، دُفن الشهداء في مقبرة تل السلطان غرب مدينة رفح، قرب الحدود المصرية.
كان الدفن بالنسبة إلى أبو عبد الله خاتمة موجعة لذلك اليوم؛ المكان الأخير الذي وضع فيه أبناءه وأحفاده وأمه وأقاربه، قبل أن تجبره تطورات الحرب لاحقًا على مغادرة رفح والنزوح إلى مواصي خان يونس.

ومنذ مغادرته المدينة، أضيف قلق جديد إلى أحزانه؛ فالرجل الذي عرف أين دفن عائلته، لم يعد قادرًا على الوصول إلى المقبرة أو الاطمئنان إلى قبورهم.
يقول: "قمنا بدفنهم في مقبرة تل السلطان غرب رفح عند الحدود المصرية، وبعد نزوحنا من المدينة لا نعلم ما الذي حدث للمقبرة".

ومع وصول القوات الإسرائيلية إلى مناطق في رفح وتداول صور ومعلومات عن الأوضاع في المناطق الحدودية، بدأ سؤال آخر يلاحق الأب: ماذا حدث لقبور عائلته؟

ربما تكون هذه المفارقة هي الأكثر إيلامًا في حكاية أبو عبد الله؛ فبعد أن أمضى شهورًا يحاول التعايش مع غياب أحبته، بات يخشى أيضًا على المكان الذي دفنهم فيه.

لم يعد قلقه متعلقًا بمن بقوا أحياء فقط، بل امتد إلى قبور من رحلوا.
يقول إن أكثر ما يشغله اليوم هو الاطمئنان إلى جثامين أفراد عائلته المدفونين في مقبرة تل السلطان، ومعرفة ما إذا كانت قبورهم لا تزال على حالها.

ويضيف أن الصور المتداولة إعلاميًا عن وصول القوات الإسرائيلية إلى المنطقة زادت مخاوفه، خصوصًا مع عدم تمكنه من العودة إلى المقبرة أو معرفة ما جرى فيها بصورة مباشرة.

بالنسبة إلى أبو عبد الله، ليست المقبرة مجرد مساحة من الأرض؛ هناك يرقد جزء كبير من عائلته، وهناك آخر نقطة استطاع أن يودع عندها أمه وأبناءه وأحفاده وشقيقته وأقاربه.

اليوم يعيش أبو عبد الله نازحًا في مواصي خان يونس.
تغير المكان، وغاب المنزل، وتفرقت تفاصيل الحياة القديمة، لكن مارس/آذار 2024 لا يزال حاضرًا معه.
قد تمر الأيام وتتبدل أماكن النزوح، إلا أن أسماء من فقدهم لا تتغير.

في ذاكرته ما زالت والدته الحاجة خلدية، وشقيقته إيمان، وأبناؤه وأحفاده وبقية أفراد العائلة في البيت ذاته، قبل أن يأتي القصف ويقسم حياته إلى مرحلتين: حياة كانت فيها العائلة حوله، وحياة يحاول فيها أن يتعايش مع غيابها.

لم يعد أبو عبد الله يطلب استعادة البيت الذي دمر، بقدر ما يريد أن يعرف مصير المكان الذي جمع أحبته للمرة الأخيرة؛ فبين خيمة النزوح في مواصي خان يونس وقبور العائلة في تل السلطان مسافة لا يستطيع عبورها، لكن ذاكرته تقطعها كل يوم.

هناك، في رفح، ترك منزله تحت الركام، وهناك أيضًا ترك أمًا وأبناءً وأحفادًا وشقيقة وأقارب في قبور لا يعرف اليوم ما حلّ بها.

ويبقى سؤاله معلقًا: هل ما تزال قبورهم في مكانها؟ وهل سيأتي يوم يستطيع فيه العودة إليها وقراءة الفاتحة عند رؤوس من فقدهم جميعًا في يوم واحد؟

اخبار ذات صلة