مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

ولاعة بنصف شيكل إلى خمسين.. سلعة تكشف كلفة الحياة في غزة

الرسالة نت - خاص

لم تعد الولاعة في قطاع غزة مجرد أداة صغيرة لإشعال النار، بعدما تحولت خلال الحرب إلى سلعة نادرة يرتفع سعرها بصورة تفوق قدرة كثير من العائلات على شرائها. فبعد أن كان ثمنها لا يتجاوز نصف شيكل، باتت بعض الولاعات تُباع بأكثر من 50 شيكلًا، فيما يصل سعر بعضها إلى نحو 100 شيكل، في قفزة تعكس حجم النقص الذي أصاب السلع اليومية في القطاع.
ومع شح الولاعات، اضطر السكان إلى البحث عن بدائل، من بينها إصلاح القديمة وإعادة استخدامها، بينما وجد عدد من الشبان في هذه الحاجة مهنة طارئة لم تكن معروفة قبل الحرب، بعدما أصبحت الأشياء الصغيرة التي كان يمكن استبدالها بسهولة تستحق الإصلاح والاحتفاظ بها.

مهنة ولدت من الندرة
على مفترق الصاروخ في قطاع غزة، يحمل الشاب محمد صلاح صندوقًا متنقلًا يجمع فيه أجزاء الولاعات القديمة، ويفرز القطع الصالحة منها ليعيد استخدامها في إصلاح الولاعات التالفة.

يقول صلاح إن العمل في إصلاح الولاعات لم يكن معروفًا في غزة قبل الحرب، لأن الولاعة كانت سلعة زهيدة الثمن، وكان السكان يتخلصون منها بمجرد نفاد الغاز أو تعطلها، دون أن يفكروا في إصلاحها.

لكن الحرب قلبت هذه المعادلة؛ فمع شح الولاعات وارتفاع أسعارها، أصبح إصلاح الولاعة القديمة خيارًا أكثر واقعية بالنسبة إلى كثير من المواطنين، خصوصًا في ظل تراجع القدرة الشرائية للأسر وارتفاع كلفة الاحتياجات الأساسية.

وتتراوح تكلفة إصلاح الولاعة، وفق صلاح، بين 5 و10 شواكل، وهي كلفة تبقى أقل من شراء ولاعة جديدة بعدما تجاوز سعر بعضها 50 شيكلًا، وقد يصل إلى 100 شيكل.

ويقول إن الإقبال على إصلاح الولاعات ازداد بصورة واضحة، بعدما أصبح المواطن يفضل دفع تكلفة صيانتها على شراء أخرى جديدة، مضيفًا أن بعض القطع التالفة لم تعد تُرمى، بل يجري الاحتفاظ بها للاستفادة من أجزائها في إصلاح ولّاعات أخرى أو تركيب قطع منها لتكوين ولاعات قابلة للاستخدام.

ولا يرى صلاح في هذه المهنة مجرد وسيلة لتوفير دخل، بل واحدة من المهن التي أفرزتها الحرب نتيجة شح السلع وارتفاع أسعارها، إذ اضطر كثير من سكان القطاع إلى البحث عن أعمال غير مألوفة لتأمين احتياجاتهم اليومية.
ويعمل صلاح في إصلاح الولاعات لتأمين جزء من احتياجات أسرته، في ظل ظروف اقتصادية قاسية جعلت تأمين أبسط متطلبات الحياة أكثر صعوبة.

ارتفاع جنوني
ولا تتوقف أزمة الولاعات عند ارتفاع أسعارها، إذ يقول المواطن يامن أحمد إن كل أسرة في غزة تحتاج إلى ولاعة بصورة متكررة، وقد تحتاج إلى شرائها كل أسبوعين تقريبًا، ما جعل اقتناء واحدة جديدة أمرًا يفوق قدرة كثير من العائلات، التي باتت تلجأ إلى إصلاح الولاعات القديمة رغم ارتفاع تكلفة صيانتها هي الأخرى.

ويقول أحمد إنه يضطر أحيانًا إلى إرسال أبنائه إلى الجيران لاستعارة ولاعة لإشعال النار، لكن حتى هذا الخيار أصبح أكثر صعوبة؛ فكثير من الناس باتوا يرفضون إعارتها خوفًا من تعرضها للتلف أو فقدانها، خصوصًا بعدما أصبحت سلعة مرتفعة الثمن يصعب تعويضها.
ويضيف أحمد: "أصغر الأشياء باتت مرهقة في غزة"، في تعبير يلخص حجم التحول الذي أصاب تفاصيل الحياة اليومية، بعدما أصبح الحصول على أداة بسيطة كانت متوفرة في كل مكان يتطلب بحثًا وقدرة على تحمل كلفتها.

شح يتجاوز الولاعات
وتأتي أزمة الولاعات في سياق نقص أوسع تعاني منه أسواق قطاع غزة، نتيجة القيود المفروضة على إدخال السلع وتراجع المعروض في الأسواق.

وبحسب وزارة الاقتصاد في غزة، فإن نحو 75% من أصناف السلع التي يحتاج إليها قطاع غزة لا يُسمح بإدخالها، في حين تدخل كميات محدودة من بعض المواد، ولا سيما المأكولات والمشروبات، الأمر الذي أسهم في شح عدد كبير من السلع وخلق أزمات متفاقمة في الأسواق.
وتقول الوزارة إن هذا النقص انعكس على توافر العديد من الاحتياجات اليومية وأسعارها، في ظل استمرار القيود على دخول السلع إلى القطاع.

وفي حالة الولاعات، يقول مواطنون وتجار إن الاحتلال منع إدخالها إلى قطاع غزة منذ بداية الحرب، رغم ارتباطها بتفاصيل يومية أساسية، من إشعال مواقد الطهي المنزلية والمطاعم إلى استخدامات أخرى، وهو ما أسهم في ندرتها وارتفاع أسعار المتوفر منها بصورة حادة.

وبعد أن كانت الولاعة تُشترى بنصف شيكل تقريبًا، أصبح سعرها اليوم يتجاوز 50 شيكلًا في بعض الحالات، فيما يصل إلى نحو 100 شيكل لأنواع أخرى، لتصبح الزيادة في سعرها عشرات المرات عما كانت عليه قبل الحرب.

لم تعد ندرة الولاعات مجرد مشكلة مرتبطة بسلعة محدودة القيمة، بل أصبحت مثالًا على الطريقة التي أعادت بها الحرب تشكيل علاقة الغزيين بالأشياء من حولهم.
فما كان يُشترى بسهولة ويُرمى عند تعطله، أصبح اليوم شيئًا ينبغي الحفاظ عليه وإصلاحه وإعادة استخدامه. وأجزاء الولاعة التالفة تحولت بدورها إلى قطع غيار، بينما وجد شبان في إصلاحها مصدرًا محدودًا للدخل. 

بث مباشر