قائمة الموقع

مقال: الشتاء قادم: غزة بين الخيام المهترئة والمباني الآيلة للسقوط

2026-09-20T17:53:00+03:00
بقلم: ميسرة بحر

 

مع اقتراب فصل الشتاء الرابع خلال حرب الإبادة على غزة، تتبادر إلى الأذهان مشاهد غرق الخيام، وموت الرضّع من البرد، وانهيار المباني المتضررة بفعل الأمطار والرياح، فقد شهد الشتاء الماضي غرق آلاف الخيام وتدميرها، وأعلنت الأمم المتحدة في يناير الماضي أن 11 طفلاً ماتوا تجمّدًا من شدة البرد.

غير أن المأساة لم تنتظر قدوم الشتاء، فقد انهارت عمارة سكنية من ستة طوابق، عُرفت باسم عمارة السعادة، في منطقة الصبرة بمدينة غزة فجر الأربعاء الماضي، على رؤوس ساكنيها من النازحين وهم نيام، وأعلن الدفاع المدني أن 101 شخص كانوا داخلها لحظة الانهيار، استُشهد منهم 21، بينهم 11 طفلاً، وأُصيب 45 آخرون.

إن هذه المأساة تنذر بكارثة أكبر إن لم يكن هناك تدخل عاجل لتوفير إيواء كريم للعائلات التي تسكن العمارات الآيلة للسقوط، فبحسب الدفاع المدني، هناك نحو ألفي بناية سكنية متضررة ومأهولة مصنّفة آيلة للسقوط، يسكنها قرابة 20 ألف مواطن.

ويزيد الأمر خطورة أن فرق الإنقاذ تعمل بإمكانات شحيحة، إذ دمّر الاحتلال أغلب الآليات التي تُستخدم في إزالة الركام، ما يجعل الاستجابة لمثل هذه الكوارث شبه مستحيلة دون إدخال الآليات، وفق الاتفاق الذي لم تلتزم به "إسرائيل".

إن المواطنين الذين يسكنون هذه المباني يدركون أنهم في خطر داهم قد يودي بحياتهم وحياة أطفالهم، لكنهم لا يجدون بديلاً، حتى الخيام يصعب توفيرها.

ومع اقتراب الشتاء الرابع على المواطنين في غزة، في ظل استمرار حرب الإبادة الجماعية، تزداد المعاناة يومًا بعد يوم، فأغلبهم لا يجدون مأوى يحميهم من برد الشتاء وخطر غرق الخيام، فبحسب أحدث تقييم لقطاع المأوى، يحتاج نحو 1.98 مليون فلسطيني، أي 94% من سكان غزة، إلى مساعدات في المأوى والمواد المنزلية الأساسية.

فالخيمة ليست سوى قطعة قماش وظيفتها الأساسية حجب الرؤية فقط، ومن يسكنها يفقد خصوصيته تمامًا، إذ تُسمع الأصوات فيها كأنك تجلس في العراء، وفي الصيف تتحول من شدة الحرارة إلى فرن، وفي الشتاء إلى ثلاجة، وإذا هطل المطر تسرّبت المياه إلى أغلب الخيام بنسب متفاوتة، ولا تقف المعاناة عند الطقس، فقد سُجّلت أكثر من 70 ألف إصابة مرتبطة بالقوارض والطفيليات الخارجية في القطاع منذ مطلع 2026، بحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا".

ورغم قسوة العيش في الخيام، فإن كثيرًا من العائلات لا تستطيع توفيرها، أما الخيام الموجودة في القطاع فأغلبها مهترئ بفعل حرارة شمس الصيف، وقماشها ممزق، وأوتادها بالكاد تثبّتها، حيث تقدّر شبكة المنظمات الأهلية أن قرابة 100 ألف خيمة مهترئة تحتاج إلى الاستبدال قبل حلول الشتاء.

لذلك نجد عائلات كثيرة تفضّل العيش في مبانٍ شبه مدمرة، معرّضةً حياتها للخطر، لا لأنها لا تريد الحياة، بل لأن الظروف لا تترك لها خيارات أخرى.

إن صوت الطفلة التي استنجدت من تحت أنقاض عمارة السعادة، ثم خرجت جثة هامدة بعد ثلاث ساعات من أعمال الإنقاذ، هو حجة على ضمائر العالم كلها التي تركت غزة لمصيرها.

لكن، هل سمع السيد نيكولاي ملادينوف صوت الطفلة، أم أنه منشغل بتبرير الرواية الإسرائيلية وتسويقها، وبإدانة الطائرات الورقية التي يلهو بها أطفال غزة بعد منع إدخال ألعاب الأطفال؟ وهي طائرات أقرّ الجيش الإسرائيلي نفسه بأنه لم يجد فيها أي مواد مشبوهة وأنها لم تشكل خطرًا، ومع ذلك صنّف مجلس السلام إطلاقها نشاطًا مسلحًا بعد شكوى إسرائيلية، فيما يصمت على استمرار الإبادة، وعدم التزام "إسرائيل" بأي من بنود الاتفاق، واستهداف المواطنين في غزة بشكل يومي.

إن سلوك مجلس السلام يدفعنا إلى أن نعيد النظر في تعريفه، فهو من المفترض أن يكون "راعيًا" لاتفاق أكتوبر 2025، لكن  نجده يتبنى الرواية "الإسرائيلية" باستمرار، ولا نرى له موقف حقيقي وواضح في  الضغط على "إسرائيل" التي ترى نفسها فوق أي اتفاق.

وإننا نطالب مجلس السلام اليوم بالخروج من بوتقة تبرير جرائم الاحتلال بتحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، والضغط الجاد والفوري من أجل حماية المدنيين، والسماح العاجل بإدخال المواد اللازمة للإيواء، من خيام وبيوت متنقلة ومعدات إزالة الركام، قبل أن يتحول الشتاء إلى مقبرة جماعية جديدة.

إن السكوت عن الإبادة التي يعيشها قطاع غزة، وترك القطاع يواجه هذه الكارثة مع قرب حلول الشتاء الذي تشير أغلب التوقعات الجوية إلى أنه سيكون من أكثر المواسم فعالية، لهو جريمة سيسجلها التاريخ.

اخبار ذات صلة