قائمة الموقع

عامان ونصف من الانتظار: أين مصطفى المصري؟

2026-09-20T09:00:00+03:00
الرسالة نت - متابعة

لم يكن مصطفى المصري نازحًا يبحث عن مكان أكثر أمنًا، ولم يكن في طريقه إلى الجنوب حين انقطعت أخباره. كان راقدًا على سرير في قسم الجراحة بمجمع الشفاء الطبي، يتلقى العلاج من إصابة خطيرة في رأسه، عندما اقتحمت قوات الاحتلال المستشفى في مارس/آذار 2024.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعرف عائلته إن كان مصطفى قد اعتُقل، أم أُخرج من المستشفى، أم استشهد، أم ما زال حيًا في مكان لا تعرفه.
أكثر من عامين ونصف مرّا، ولا تزال عائلته تبحث عن إجابة واحدة: أين مصطفى؟
بحسب شقيقه عبد الرحمن المصري، كان مصطفى وشقيقه قد رفضا النزوح جنوبًا طوال الأشهر الأولى من الحرب، وتمسكا بالبقاء في شمال قطاع غزة، إلى أن وصل الاقتحام الإسرائيلي إلى مجمع الشفاء في أواخر مارس/آذار 2024.
لكن مصطفى لم يكن في وضع يسمح له بالمغادرة أصلًا.
كان مصابًا في رأسه منذ قصف إسرائيلي استهدف منزل العائلة في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وأدت الإصابة إلى تهتك في رأسه واستقرار شظايا في جمجمته، قبل أن تتدهور حالته الصحية لاحقًا. وتوثق قاعدة بيانات المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا فقدانه بتاريخ 26 مارس/آذار 2024، عندما كان يرقد على سرير في قسم الجراحة داخل مجمع الشفاء. 

يقول عبد الرحمن للرسالة: إن إصابة شقيقه لم تكن جسدية فقط؛ فقد كان يعاني من فقدان الذاكرة، وهو ما يجعل مصيره أكثر غموضًا وأشد قسوة على عائلته. فإذا خرج مصطفى من المستشفى أو نُقل إلى مكان آخر، فكيف يمكن لشخص يعاني من فقدان الذاكرة أن يخبر الآخرين باسمه أو يصل إلى عائلته؟
كان الأب، عوني المصري، يزور ابنه يوميًا في المستشفى. 

وبحسب شقيقه: عاد مصطفى إلى مجمع الشفاء في 11 مارس/آذار 2024 بعدما فقد الكثير من وزنه ولم يعد قادرًا على الوقوف، وكان الأطباء يعتزمون إجراء تدخل لإزالة شظايا من رأسه. 

ثم بدأ الاقتحام.
ومع دخول قوات الاحتلال إلى مجمع الشفاء، انقطعت الكهرباء وتعقدت حركة المرضى والطواقم الطبية. ويضيف شقيقه: بقيت العائلة تتشبث باحتمالات متعددة: ربما خرج مصطفى مع الجرحى، ربما نُقل إلى مستشفى آخر، ربما اعتُقل، وربما كان بين الذين أُخرجوا من المجمع. لكن شيئًا لم يكن مؤكدًا. 

وبعد انسحاب القوات الإسرائيلية من المجمع، بدأت رحلة بحث أخرى.
البحث بين الجرحى، وبين قوائم المعتقلين، وبين أسماء الشهداء، وحتى بين الجثامين.
لكن اسم مصطفى لم يظهر. لا جثمان. لا معتقلًا موثقًا. لا مستشفى آخر يمكن أن يكون قد نُقل إليه. ولا معلومة تسمح للعائلة بأن تغلق باب الانتظار.
وتوثق قاعدة بيانات المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا اسم مصطفى عوني مصطفى المصري ضمن المفقودين المرتبطين بمجمع الشفاء. 

خلف قضية مصطفى رجل مفقود، لكن خلفه أيضًا أسرة كاملة معلقة بين احتمالين: الحياة والموت.
لدى مصطفى طفلتان؛ الكبرى مريم، التي تسأل عن أبيها، والصغرى تلاوة التي ولدت في سبتمبر/أيلول 2023، قبل أسابيع قليلة من إصابة والدها، ولم تعرفه إلا من الصور.

يقول عبد الرحمن إن العائلة لم تتوقف عن البحث، لأن فقدان مصطفى بهذه الطريقة لا يمنحهم حتى حق الحداد.
فكيف تبكي شخصًا لا تعرف إن كان قد مات؟
وكيف تنتظر عودته وأنت لا تعرف إن كان يستطيع أصلًا أن يتذكر اسمه؟
وكيف تخبر طفلتين أن أباهما غائب، فيما لا تستطيع أن تقول لهما أين هو؟
هذه هي المأساة التي يعيشها آل المصري منذ اقتحام الشفاء: مصطفى ليس حاضرًا بما يكفي ليعود، وليس غائبًا بما يكفي ليُدفن.
وقد أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من مجمع الشفاء في أبريل/نيسان 2024 أن أكثر من 100 شخص ظلوا في عداد المفقودين نتيجة الاقتحام، إلى جانب حديثه عن شهداء ومعتقلين داخل المجمع ومحيطه. وهذه أرقام صادرة عن جهة فلسطينية رسمية في غزة، وليست حصيلة مستقلة نهائية. 

أما مصطفى، فما زال له اسم ووجه وعائلة تنتظر.
عبد الرحمن لا يبحث عن تفسير سياسي ولا عن رواية كبيرة؛ يبحث عن شقيقه. يريد فقط أن يعرف: هل مصطفى حي؟
هل هو معتقل؟ هل فقد ذاكرته في مكان ما ولا يعرف كيف يعود؟ أم أنه استشهد في الشفاء، وما زالت عائلته محرومة من معرفة الحقيقة؟

اخبار ذات صلة