قائمة الموقع

حين تطارد الحرب أبناء الدكتور منير البرش

2026-09-20T08:56:00+03:00
الرسالة نت - متابعة خاصة

لم يكن هذا الاستهداف الأول الذي يطارد الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في قطاع غزة، لكنه هذه المرة جاء من قلب قلبه.
كان البرش يجلس داخل خيمته في غزة إلى جوار نجله الأكبر بصير،  كان الدكتور منير مريضًا ويتلقى العلاج. وفي تلك اللحظات، كان الخوف من القصف حاضرًا كما هو حاضر في تفاصيل حياة الغزيين منذ سنوات.
وبحسب رواية البرش، دار بينه وبين نجله حديث قصير قبل أن يخرج بصير من الخيمة. كان يدرك أن بقاءهما معًا قد يجعلهما هدفًا واحدًا، فقال الدكتور لولده، في مشهد يلخص قسوة الحرب: إنهما قد يتعرضان للاستهداف معًا، وإن كان لا بد أن يرحلا، فليذهبا معًا. لكن بصير، كما يروي والده، لم يرد أن يرحل الأب والابن في اللحظة نفسها. كان يريد أن يبقى أحدهما هنا.
خرج بصير إلى باب الخيمة، وما هي إلا لحظات حتى استُهدف بغارة إسرائيلية في المنطقة الغربية من مخيم جباليا شمال قطاع غزة، بالقرب من مقر الدفاع المدني. وأفادت مصادر طبية ومحلية بأن طائرة مسيّرة إسرائيلية نفذت الغارة، التي أدت إلى استشهاد بصير وإصابة آخرين. 

هذه المرة، لم يكن الدكتور منير البرش يقف أمام جثمان مريض أو مصاب يحاول إنقاذه، بل أمام جثمان ابنه البكر.
نُقل جثمان بصير إلى مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة، وهناك ظهر الأب منكسرًا فوق جسد نجله، يحتضن رأسه ويقبله، فيما تجمع المشيعون حولهما.
قال البرش لابنه: «الله يرحمك، عملت اللي عليك، والله ما نمت، بس أنت سبقتني على الجنة يا بوي». 

لم تكن تلك المرة الأولى التي يقف فيها البرش أمام جثمان أحد أبنائه.
قبل نحو ثلاثة أعوام، في ديسمبر/كانون الأول 2023، كان القصف الإسرائيلي على مخيم جباليا قد أخذ منه ابنته جنان، البالغة 13 عامًا، وأصابه هو وأفرادًا من عائلته. ووفق التقارير التي وثقت تلك المأساة، كانت جنان قد نامت في حضن والدها قبل أن يقتلها الاحتلال في القصف. 

واليوم، بعد قرابة ثلاثة أعوام، عاد البرش إلى المشهد ذاته؛ أبٌ يودع أحد أبنائه، لكن هذه المرة كان الراحل بصير، نجله الأكبر.
من جنان إلى بصير، تبدو الحرب في حياة هذا الأب كأنها تعود إلى المكان ذاته، لتفتح الجرح نفسه من جديد.

منذ الأسابيع الأولى للحرب، ظل الدكتور منير البرش حاضرًا في مستشفيات شمال قطاع غزة، يؤدي عمله مديرًا عامًا لوزارة الصحة، في وقت كانت فيه المستشفيات تتعرض للقصف والحصار وتعاني نقصًا حادًا في الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية. وكان من بين المسؤولين الصحيين الموجودين في مجمع الشفاء الطبي خلال حصاره واقتحامه في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، قبل أن يواصل عمله في شمال القطاع، محذرًا من انهيار المنظومة الصحية ونفاد الإمدادات. 

ظل يتحدث عن المرضى والجرحى والأطباء، وعن مستشفيات تحاول أن تبقى مفتوحة وسط الحرب، بينما كانت الحرب نفسها تصل إلى منزله وعائلته.
وفي كل مرة كان يعود إلى العمل، كان يحمل معه خسارة جديدة.
جنان أولًا، ثم بصير.
وتشير تقارير محلية إلى أن عائلة البرش فقدت عددًا كبيرًا من أفرادها خلال سنوات الحرب، فيما وثقت تقارير صحفية أن نحو 55 شخصًا من الدائرة العائلية ارتقوا خلال الحرب. 

وفي مشهد وداع بصير، بدا التناقض كاملًا: الطبيب الذي أمضى سنوات يحاول إنقاذ أرواح الآخرين، يقف عاجزًا أمام أكثر ما يمكن أن يوجع قلب أب؛ جثمان ابنه بين يديه.
وفي الجهة الأخرى، كانت أم بصير تودع ابنها وهي تسلّم أمرها لله، وتتعامل مع الجثمان  كأمانة عادت إلى صاحبها.
«أمانتك يا الله… استرددتَها مني يا رب. تكون متقبّلًا هذه الأمانة… رضينا يا الله، فارحم ولدي رحمة واسعة»
هكذا أصبحت خيمة صغيرة في جباليا مسرحًا لفصل جديد من مأساة عائلة البرش؛ أبٌ يجلس إلى جوار ابنه المريض، وابنٌ يخشى أن يفقد أباه معه، فيخرج من الخيمة ليبقى أحدهما على قيد الحياة.لكن بصير لم يبقَ.
خرج من الخيمة، فاستشهد أمام عيني والده.وبقي الدكتور منير البرش واقفًا، للمرة الثانية، أمام الموت الذي أخذ أحد أبنائه.

اخبار ذات صلة