قائمة الموقع

"مش قادر أحملك".. حين خرج محمد أبو الرب من الأسر بجسدٍ لا يقوى على حمل ابنته

2026-09-19T11:06:00+03:00
الرسالة نت ـ خاص

يدٌ تضم فيها ابنته ميرا، والأخرى يضغط بها على بطنه. جسده هزيل، وخطواته مثقلة، لا يستطيع الاقتراب أكثر. يلهث وهو يحاول أن يستجمع ما تبقى من قوته، ثم يقول لطفلته: «لا أستطيع أن أحملك».
هكذا كانت حال الأسير المحرر محمد أبو الرب لحظة خروجه من الاعتقال، بعد أربع سنوات قضاها خلف القضبان. خرج هزيلًا ضعيفًا، بالكاد يستطيع الحركة والوقوف، لكنه كان يعرف وجهًا واحدًا يريد الوصول إليه قبل كل شيء: وجه ابنته ميرا.
لم تكن لحظة استقبال عادية. كانت أربع سنوات من الغياب تختصرها ذراع أبٍ تحاول احتضان طفلته، وجسدٌ لا يستطيع أن يمنحهما العناق الذي انتظراه طويلًا.
اقتربت ميرا من والدها، فمدّ يده إليها وضمها. أما يده الأخرى فبقيت ضاغطة على بطنه، بينما كان يلهث من شدة الألم والإعياء. أراد أن يحملها، كما يفعل الأب حين يستعيد طفلته بعد سنوات من الفراق، لكنه لم يستطع.
«لا أستطيع أن أحملك».
جملة قصيرة، لكنها بدت أثقل من سنوات الاعتقال نفسها.
لم تكن ميرا بحاجة إلى أن تعرف ماذا حدث لوالدها داخل السجن؛ كان جسده يروي جزءًا من الحكاية. النحافة الشديدة، صعوبة الوقوف، اللهاث، اليد التي لا تفارق البطن، والعجز عن القيام بأبسط فعل انتظره أب وابنته: أن يحملها بين ذراعيه.
ثم جاءت أمه.
سلامٌ آخر، ودموع أخرى، ووجه أمٍّ تستعيد ابنها بعد أربعة أعوام. وقف محمد أمامها وهو يحاول أن يخفي ألمه، يفرح بالحرية ويكافح في الوقت نفسه مع جسد أنهكته سنوات الأسر.
في تلك اللحظة، لم يكن الإفراج مجرد فتح باب السجن.
كان خروجًا بجسد يحمل آثار الغياب.
وتأتي حالة محمد أبو الرب في وقت تكشف فيه الأرقام حجم أزمة الأسرى الفلسطينيين منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. فبحسب أحدث تحديث لنادي الأسير الفلسطيني في 16 سبتمبر/أيلول 2026، يقبع نحو 9350 أسيرًا ومعتقلًا فلسطينيًا في سجون الاحتلال، بينهم 90 أسيرة وأكثر من 350 طفلًا، فيما يبلغ عدد المعتقلين الإداريين 3176 معتقلًا. كما تشير البيانات إلى وجود نحو 1393 معتقلًا من غزة يصنفهم الاحتلال تحت مسمى «المقاتلين غير الشرعيين»، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام لا تشمل جميع معتقلي غزة المحتجزين في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال.
ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، اتسعت حملة الاعتقالات بصورة كبيرة؛ إذ توثق مؤسسة الضمير نحو 25 ألف حالة اعتقال منذ بداية الحرب، وفق آخر إحصاء منشور لديها.
ولا تقف أرقام الأسر عند حدود الاعتقال. فحتى سبتمبر/أيلول 2026، وثقت مؤسسات الأسرى 92 وفاة لأسرى ومعتقلين فلسطينيين منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ممن عُرفت هوياتهم، بينما يبلغ العدد الإجمالي الموثق لشهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 نحو 328 شهيدًا وفق بيانات نادي الأسير.
وفي المقابل، تشير تقارير حقوقية إلى استمرار الحديث عن أوضاع صحية قاسية داخل السجون، تشمل التجويع والإهمال الطبي والعزل والقمع، مع وجود مئات الأسرى المرضى.
لهذا لم يكن جسد محمد أبو الرب، في لحظة خروجه، مجرد جسد أسير محرر.
كان جسدًا يحمل آثار أربع سنوات من الغياب والتعذيب .
كان يستطيع أن يبتسم لميرا، وأن يمد يده إليها، وأن يعود إلى أمه، لكنه لم يستطع أن يفعل شيئًا صغيرًا جدًا كان ينتظره منذ سنوات: أن يحمل ابنته.
ربما كانت ميرا تنتظر أباها ليحملها كما يحمل الآباء أطفالهم.
لكنها حين عاد، كانت هي التي اقتربت منه، بينما كان هو يكافح كي يبقى واقفًا

اخبار ذات صلة