أعاد الفيلم الوثائقي الإسرائيلي «نازا» فتح النقاش داخل إسرائيل وخارجها بشأن آليات استهداف المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، بعدما قدّم شهادات مباشرة لـ24 من الجنود وضباط الاستخبارات الإسرائيليين حول أنظمة المراقبة والاستهداف والقصف المستخدمة خلال الحرب.
والفيلم، الذي أخرجه الصحافيان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراحيل شور، عُرض للمرة الأولى ضمن مهرجان البندقية السينمائي الدولي، وحصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وسط اهتمام دولي وردود فعل إسرائيلية غاضبة. ويستند العمل إلى شهادات جرى تسجيلها بسرية، مع إخفاء هويات أصحابها، وتتناول كيفية عمل منظومة الاستهداف الإسرائيلية من الداخل.
ويشير اسم الفيلم "نازا" إلى اختصار عسكري إسرائيلي لعبارة «الضرر الجانبي»، ويُستخدم للإشارة إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في غارة معينة. ووفق إفادات المشاركين في الفيلم، فإن تقدير أعداد الضحايا المدنيين كان جزءًا من عملية اتخاذ القرار بشأن بعض الضربات.
"الضرر الجانبي".. من التبرير إلى آلية عمل
لطالما استخدمت إسرائيل مصطلح «الضرر الجانبي» لتفسير سقوط مدنيين في هجماتها العسكرية، إذ تقول إن استهداف المدنيين ليس غاية بحد ذاته، وإن الضحايا يسقطون نتيجة ضرب أهداف عسكرية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك الغارة الإسرائيلية على مبنى سكني في حي الدرج بمدينة غزة عام 2002، والتي استهدفت القيادي في حركة حماس صلاح شحادة، وأسفرت عن مقتل وإصابة عشرات الفلسطينيين، بينهم أطفال، بعدما أُلقيت قنبلة تزن نحو طن على المبنى.
كما سبق لإسرائيل استخدام التبرير ذاته عقب مجزرة قانا في لبنان عام 1996، التي قُتل فيها أكثر من مئة مدني كانوا يحتمون داخل مقر لقوات الأمم المتحدة.
لكن «نازا» يحاول نقل النقاش من نتائج القصف إلى كيفية اتخاذ قرارات الاستهداف نفسها، من خلال شهادات أشخاص يقول صناع الفيلم إنهم شاركوا في منظومة الاستخبارات والاستهداف خلال الحرب على غزة.
ويقول مخرجا الفيلم إنهما أجريا مقابلات مع 24 جنديًا وضابطًا إسرائيليًا، معظمهم من العاملين في أجهزة الاستخبارات، بهدف توثيق طريقة عمل منظومة القتل من الداخل، وليس الاكتفاء بتوثيق نتائجها على الأرض.
الذكاء الاصطناعي في منظومة الاستهداف
ويكشف الفيلم، بحسب الشهادات الواردة فيه، عن استخدام أنظمة تعتمد على كميات ضخمة من البيانات والمراقبة لتحديد الأهداف في قطاع غزة، إلى جانب تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تساعد في تحليل المعلومات واختيار مواقع للقصف.
وتقول إفادات العسكريين إن هذه الأنظمة كانت قادرة على توفير معلومات حول المباني والأشخاص الموجودين فيها، إلى جانب تقديرات لعدد المدنيين الذين يمكن أن يقتلوا في حال استهدافها.
وفي أحد المقاطع المتداولة من الفيلم، يشرح أحد المشاركين في الشهادات أن كل مبنى في قطاع غزة كان يمكن أن يظهر ضمن منظومة معلوماتية تتيح معرفة عدد الأشخاص الذين قد يتضررون جراء قصفه.
وبحسب الفيلم، لم تكن معرفة وجود المدنيين بالضرورة سببًا كافيًا لإلغاء بعض الضربات، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة المعايير التي جرى اعتمادها لتحديد الأهداف وحجم الخسائر المدنية المقبولة.
وكانت تحقيقات صحفية سابقة قد تناولت جوانب من هذه المنظومة، إلا أن مخرجي "نازا" يقولان إن أهمية الفيلم تكمن في وضع الشهادات المباشرة أمام الكاميرا، والاستماع إلى أشخاص شاركوا في تشغيل الأنظمة أو التعامل معها.
في المقابل، رفض الجيش الإسرائيلي ما ورد في الفيلم، وقال إن الادعاءات المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في تنفيذ عمليات القتل مضللة، وإن الجيش يبذل جهودًا لتقليل الأذى اللاحق بالمدنيين. كما شكك مسؤولون إسرائيليون في موثوقية الشهادات مجهولة الهوية.
غضب إسرائيلي وملاحقة صناع الفيلم
وأثار عرض "نازا" ردود فعل غاضبة داخل إسرائيل، فيما هاجم مسؤولون إسرائيليون الفيلم ومخرجيه، معتبرين أنه يقدم صورة مضللة عن أداء الجيش الإسرائيلي خلال الحرب.
وفي المقابل، حصل الفيلم على استقبال لافت في مهرجان البندقية، حيث استمر التصفيق بعد عرضه نحو 25 دقيقة، في واحدة من أطول فترات التصفيق المسجلة في تاريخ المهرجان.
ويكتسب الفيلم حساسية إضافية داخل إسرائيل بسبب هوية المشاركين فيه، إذ إن الشهادات لا تأتي من ناشطين فلسطينيين أو منظمات حقوقية دولية، وإنما من جنود وضباط إسرائيليين يقول صناع الفيلم إنهم شاركوا في العمليات التي يصفونها.
ويرى أبراهام وشور أن هذه الشهادات يمكن أن تجعل إنكار ما جرى في غزة أكثر صعوبة، خصوصًا أن الفيلم يركز على طريقة عمل المنظومة العسكرية والاستخبارية، وليس على حالات فردية منفصلة.
ويأتي ذلك في وقت سبق أن نشرت فيه وسائل إعلام إسرائيلية ودولية تحقيقات حول استخدام تقنيات المراقبة والذكاء الاصطناعي في الحرب على غزة، ما يجعل "نازا" امتدادًا لمسار صحفي سابق، لكنه يضيف إليه شهادات مباشرة مصورة لأشخاص عملوا داخل المنظومة.