قائمة الموقع

مقال: فلم "نازا": حين يهتز الجيش "الاسرائيلي" من الداخل قبل أن يهتز ضميره

2026-09-16T15:58:00+03:00
ميسرة بحر

أحدث فيلم "نازا" هزّة داخل "إسرائيل"، وواجه ردود فعل متسارعة من مختلف المستويات، السياسية والعسكرية والإعلامية، الفيلم الذي عُرض في مهرجان البندقية السينمائي ونال جائزة لجنة التحكيم، لم يمرّ مرور الكرام، بل تحوّل خلال أيام إلى قضية، تشغل أروقة "الكرياه"، مقر وزارة الأمن "الإسرائيلية".

ركّز الإعلام، في تناوله الأول للفيلم، على الجانب الأخلاقي الذي فضحه العمل الوثائقي، وتحديدًا الدور الذي لعبه الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف، والسماح بضرب أهداف رغم وجود أعداد كبيرة من المدنيين حولها، واتخاذ قرار الاستهداف بناء على احتمالات.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يعقد رئيس الأركان إيال زامير اجتماعًا طارئًا مع كبار قادة الجيش لدراسة تداعيات الفيلم؟ الإجابة، في جوهرها، لا تتعلق بالفضيحة الأخلاقية بقدر ما تتعلق بأمر أخطر وأكثر حساسية: أربعة وعشرون مصدرًا من داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية، من بينهم عاملون في وحدت 8200، أدلوا بشهادات ومعلومات دقيقة عن آليات العمل الداخلية.

وحين نتحدث عن وحدة 8200 تحديدًا، فإننا نتحدث عن الذراع الاستخباراتية الأكثر سرية في الجيش "الإسرائيلي" على الإطلاق، وهي الوحدة المكلفة بجمع المعلومات الإلكترونية والتنصت واعتراض الاتصالات، والتي تُعد المصدر الأساسي لما يُعرف بـ"البنوك" الرقمية للأهداف التي تُستخدم في تحديد من يُقصف ومتى. 

عملت هذه الوحدة لعقود في عزلة كاملة عن أي رقابة إعلامية أو مجتمعية، محاطة بهالة من الغموض روّجت لها إسرائيل نفسها باعتبارها "الأكثر تطورًا في العالم" في مجالها، أن يخرج من رحمها أربعة وعشرون شاهدًا يتحدثون عن آليات عملها الداخلية وعن دورها في عمليات حساسة داخل قطاع غزة، هو أمر غير مسبوق في تاريخ هذه المؤسسة، ويفسر وحده حجم الهلع الذي أصاب قيادة الجيش، لأن الخرق هنا لم يطل صورة الجيش الأخلاقية فحسب، بل طال جدار السرية الذي يشكل صلب قوة هذه الوحدة ومصداقيتها.

فحين نتحدث عن شهادات لجنود عملوا في وحدات استخباراتية من أكثر الوحدات سرية في "إسرائيل"، فإننا لا نتحدث عن مجرد جدل إعلامي عابر، بل عن هزّة حقيقية في مكانة الجيش "الإسرائيلي" ومنظومته الاستخباراتية، وهو ما يفسر أمر زامير بفتح تحقيق فوري لتحديد هوية من سرّب المواد السرية التي استُخدمت في إنتاج الفيلم، إلى جانب تكليف المدعي العسكري العام بدراسة إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية بحق القائمين على الفيلم.

ولا يمكن إغفال بُعد آخر لا يقل أهمية: توقيت عرض الفيلم، الذي يأتي مع اقتراب الانتخابات "الإسرائيلية"، هذا التوقيت يفتح الباب أمام فرضية أن يكون الفيلم، جزءًا من سياق الحملة الانتخابية الموجهة ضد نتنياهو، فالفيلم يعيد توجيه أنظار الجمهور "الإسرائيلي" نحو فشل السابع من أكتوبر، ويعيد إحياء النقاش حول طريقة إدارة نتنياهو للحرب على غزة، في لحظة سياسية بالغة الحساسية بالنسبة له.

ولعل الأهم من كل ما سبق أن قادة "إسرائيل" أنفسهم لم يعودوا يكترثون كثيرًا بالبعد الأخلاقي أصلًا، بل باتوا يظهرون ذلك علنًا ودون أي حرج، فوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ظهر أكثر من مرة على وسائل الإعلام وهو يمارس سلوكًا يوصف بالإجرامي بكل وقاحة: نشر فيديو يستهزئ فيه بنشطاء "أسطول الصمود" المحتجزين ويهينهم عقب اعتقالهم، ودعا صراحة إلى قتل ثلاثين إلى أربعين فلسطينيًا كل ليلة في غزة، وطالب علنًا بإعادة توطين المستوطنين في القطاع وتهجير أهله الأصليين تحت غطاء ما سماه "الهجرة الطوعية". 

هذه المشاهد، التي تُبث على الهواء مباشرة ودون أي محاولة للتستر، تكشف أن الحديث عن "أخلاقيات الحرب" داخل المنظومة "الإسرائيلية" بات شكليًا محضًا، بينما الممارسة الفعلية على الأرض وفي الخطاب السياسي لم تعد تخفي نزعتها العدوانية والتحريضية، حتى أمام الكاميرات.

من هنا، فإن ما يكشفه فيلم "نازا" ليس فقط الوجه الأخلاقي القاتم للعمليات العسكرية في غزة، بل حالة من الفوضى والارتباك تعيشها المؤسسة الإسرائيلية بكل أذرعها، العسكرية والسياسية والإعلامية.

اخبار ذات صلة