تدخل حركة فتح مرحلة هي الأكثر حساسية منذ سنوات، مع عودة الانقسامات الداخلية إلى الواجهة بالتزامن مع الحديث المتزايد عن الانتخابات وإعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني.
وفي قلب هذا المشهد تبرز تحركات أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب، وما يرافقها من لقاءات مع شخصيات محسوبة على تيار الإصلاح الديمقراطي، وبينها القيادي سفيان أبو زايدة، بما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة هذه التحركات وحدودها وعلاقتها بموقف رئيس السلطة محمود عباس.
لا تبدو لقاءات الرجوب مع شخصيات من تيار الإصلاح بقيادة محمد دحلان مجرد تفصيل هامشي في المشهد الفتحاوي؛ فهؤلاء كانوا حتى وقت قريب جزءًا من معسكر الخصومة الداخلية في الحركة، ووصل الصراع إلى حد الفصل من الحركة وقطع الرواتب والإقصاء من الأطر التنظيمية.
ووجدت حركة "فتح" نفسها مجبرة على الجلوس مع قيادة التيار الإصلاحي رغم أنها كانت تنظر إليه سابقًا على أنه طرف معادي لها، ولكن اليوم تحاول أن تجعله حليف سياسي.
بدوره، الكاتب والمحلل السياسي محمد شاهين أن «اللقاءات الأخيرة بين جبريل الرجوب وسفيان أبو زايدة لا تبدو مجرد لقاءات سياسية عابرة أو اتصالات شخصية يمكن فصلها عن الصراع الأوسع حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني ومن يملك حق رسم خريطة المرحلة المقبلة، فالمشهد في تقديري يتجاوز الأشخاص إلى محاولة إعادة تشكيل موازين القوى داخل حركة فتح والمنظومة السياسية الفلسطينية برمتها».
وقال شاهين لـ"الرسالة نت" إن "السؤال المركزي هنا ليس لماذا يلتقي الرجوب بأبو زايدة فحسب، بل ما الذي يريد هذا اللقاء أن يقوله في لحظة سياسية شديدة الحساسية، وهل نحن أمام محاولة لتكوين شبكة سياسية مضادة لرؤية الرئيس محمود عباس في ترتيب البيت الفلسطيني، أم أمام إعادة إنتاج لأسماء وشخصيات يمكن الدفع بها لاحقًا إلى واجهة المشهد باعتبارها بدائل أو أوراق ضغط".
وأضاف أن "إذا قرأنا المشهد بمنطق موازين القوى، فإن التقارب بين شخصيات مختلفة في مواقعها وخلفياتها يمكن أن يتحول إلى ائتلاف وظيفي هدفه الحد من قدرة مركز القرار الحالي على إعادة هندسة النظام السياسي وفق رؤية أحادية، وهنا تصبح اللقاءات جزءًا من عملية تموضع سياسي أوسع عنوانها رفض احتكار القرار ومحاولة إنتاج مركز ثقل داخل فتح وخارجها قادر على التأثير في معادلة الخلافة وترتيبات المرحلة المقبلة".
وأوضح أن أما الحديث عن تصدير شخصية ياسر عباس فيحتاج إلى قدر من التحفظ، إذ لا توجد بالضرورة قرائن كافية للجزم بأن هذه اللقاءات تستهدف هذا الهدف مباشرة، لكن طرح الفكرة في التداول السياسي ليس بلا دلالة، لأن مسألة التوريث السياسي أو صناعة البدائل أصبحت واحدة من أكثر الملفات حساسية داخل النظام الفلسطيني، وأي تحرك حولها سيقرأ باعتباره جزءًا من معركة ما بعد عباس وليس مجرد اختلاف في التكتيكات.
وأكد أن الأهم أن هناك ما يشبه صراعًا على تعريف الشرعية السياسية المقبلة: هل ستبنى عبر ترتيبات داخلية مغلقة، أم عبر توافق وطني واسع، أم عبر إعادة توزيع لمراكز النفوذ داخل فتح والمنظمة والسلطة.
وقال إن «من هذه الزاوية يمكن فهم تحركات الرجوب باعتبارها محاولة لعدم ترك الساحة مفتوحة أمام مسار واحد، وربما لتشكيل شبكة أمان سياسية في مواجهة ترتيبات لا تحظى بإجماع فتحاوي أو وطني واسع».
وذكر شاهين أن القضية ليست في أسماء الأشخاص بقدر ما هي في من يمتلك مفتاح المرحلة الانتقالية ومن يملك حق تحديد قواعد اللعبة، فإذا كانت هذه اللقاءات تؤسس لتحالف سياسي مضاد، فإنها تعكس بوضوح أن الصراع داخل النظام الفلسطيني لم يعد فقط حول السياسات، بل حول هندسة المستقبل ومنع احتكار قرار إعادة تشكيل البيت الفلسطيني من طرف واحد.