قائمة الموقع

سفير سابق : صبرا وشاتيلا تجيب لماذا يتمسك الفلسطيني ببندقيته

2026-09-15T09:07:00+03:00
الرسالة نت- محمود هنية

قال السفير الفلسطيني السابق وعضو الأمانة العامة للمؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج د. ربحي حلوم إن مجزرة صبرا وشاتيلا، في ذكراها الـ44، لا تمثل مجرد صفحة دامية في التاريخ الفلسطيني، بل تحمل درسًا سياسيًا عميقًا بشأن مخاطر أن يتخلى الفلسطيني عن أدوات قوته ويركن إلى الوعود والضمانات الدولية لحمايته.

وأكد حلوم لـ"الرسالة نت" أن صبرا وشاتيلا تقدم، بعد أكثر من أربعة عقود، إجابة تاريخية عن سؤال يتكرر اليوم حول أسباب تمسك الفلسطيني بسلاحه ورفضه أن يكون أعزل في مواجهة الاحتلال أو أن يضع أمنه ومصيره بالكامل في يد ضمانات خارجية.

وقال: "إذا أراد أحد أن يعرف لماذا يتمسك الفلسطيني ببندقيته، فعليه أن يقرأ جيدًا ما جرى في صبرا وشاتيلا؛ هناك ترك الفلسطيني سلاحه وغادر المقاتلون بناء على اتفاقات وضمانات دولية، وبعد أيام وجد المدنيون أنفسهم بلا حماية أمام واحدة من أبشع المجازر في التاريخ الفلسطيني".

وكان مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية قد غادروا بيروت في أغسطس/آب 1982 وبداية سبتمبر/أيلول من العام نفسه، بموجب اتفاق رعاه المبعوث الأميركي فيليب حبيب، وتحت إشراف قوة متعددة الجنسيات، مع تقديم ضمانات لحماية الفلسطينيين المدنيين الذين بقوا في لبنان. وبعد انسحاب القوة الدولية ودخول القوات الإسرائيلية إلى بيروت الغربية، وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا بين 16 و18 سبتمبر/أيلول 1982.

وأضاف حلوم أن المشكلة لم تكن في أن الفلسطيني اختار السلامة أو وقف القتال في لحظة معينة، بل في أن الضمانات التي قُدمت له "لم تكن قادرة على حماية طفل أو امرأة أو شيخ عندما أصبح المخيم مكشوفًا".

وأشار إلى أن المقاتلين الفلسطينيين دفعوا خلال وجودهم في لبنان أثمانًا بشرية وسياسية وعسكرية كبيرة، لكن وجود قوة فلسطينية مسلحة كان -وفق رؤيته- يشكل عامل حماية وردع أمام محاولات استباحة المخيمات.

وقال: "نعم، البندقية كانت لها كلفة كبيرة، والفلسطيني دفع بسبب الصراع أثمانًا هائلة، لكن السؤال الذي تطرحه صبرا وشاتيلا هو: ماذا حدث عندما غابت البندقية وبقي المدني الفلسطيني وحده ينتظر وفاء الآخرين بوعودهم؟".

وأوضح حلوم أن المجزرة جاءت في ظرف كان فيه الفلسطينيون في بيروت يعتقدون أن الاتفاق الدولي الذي أفضى إلى خروج قوات منظمة التحرير سيوفر الحماية للسكان المدنيين، لكن الأحداث أثبتت -بحسب قوله- أن التعهدات الدولية وحدها لم تكن كافية.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن اتفاق خروج منظمة التحرير تضمن ضمانات تتعلق بسلامة المدنيين الفلسطينيين، فيما عبر ياسر عرفات نفسه عقب مغادرة بيروت عن مخاوف على الفلسطينيين الذين ظلوا في المخيمات، وطالب باستمرار وجود القوة الدولية لحمايتهم.

واعتبر حلوم أن شاتيلا بقيت "الشاهد الأكثر إيلامًا" في الذاكرة الفلسطينية على مخاطر أن يجرد شعب يعيش تحت الاحتلال أو التهديد نفسه من أدوات القوة قبل امتلاك ضمانات حقيقية وقابلة للتنفيذ لحمايته.

وقال إن الحديث اليوم عن نزع سلاح الفلسطينيين أو مطالبتهم بالتخلي عن جميع أدوات قوتهم، من دون إنهاء الاحتلال وضمان حقوقهم السياسية والوطنية وتوفير حماية حقيقية لهم، يعيد إلى الأذهان التجربة القاسية التي سبقت مجزرة صبرا وشاتيلا.

وأضاف: "الفلسطيني لا يملك دولة تحميه ولا جيشًا وطنيًا قادرًا على أن يقف على حدوده ويدافع عن أطفاله، ولذلك لا يمكن أن يُطلب منه أن يتخلى عن كل عناصر القوة ثم يقال له إن المجتمع الدولي سيحميك".

وشدد على أن القضية، من وجهة نظره، ليست "تمجيد السلاح لذاته"، وإنما فهم الوظيفة التي يؤديها ميزان القوة بالنسبة لشعب لا يزال يعيش تحت الاحتلال ويواجه التهجير والاعتداءات المتكررة.

وقال حلوم إن التجربة الفلسطينية أظهرت مرارًا أن الضمانات والقرارات الدولية لا تكتسب قيمتها الفعلية ما لم توجد آليات حقيقية لإجبار الاحتلال على احترامها وحماية الفلسطينيين عند انتهاكها.

ولفت إلى أن المفارقة الأكثر قسوة في أحداث عام 1982 كانت أن مغادرة المقاتلين الفلسطينيين جرت أصلًا ضمن تفاهم هدفه إنهاء القتال وحماية المدنيين، لكن هؤلاء المدنيين وجدوا أنفسهم لاحقًا في مواجهة المذبحة.

وقد اكتمل خروج القوات الفلسطينية من منطقة بيروت مطلع سبتمبر/أيلول 1982، فيما انسحبت القوة متعددة الجنسيات بعد ذلك، قبل أن تدخل القوات الإسرائيلية بيروت الغربية في 15 سبتمبر، ثم تدخل الميليشيات اللبنانية إلى صبرا وشاتيلا في اليوم التالي، وتستمر عمليات القتل حتى 18 سبتمبر.

وأكد حلوم أن هذه الوقائع جعلت المجزرة بالنسبة إلى الفلسطينيين أكثر من ذكرى لمقتل الآلاف، إذ تحولت إلى جزء من الوعي الجمعي بشأن معنى فقدان الحماية في بيئة لا توجد فيها قوة قادرة على ردع المعتدي.

وأضاف أن الفلسطيني حين يستعيد صبرا وشاتيلا لا يتذكر الضحايا فقط، وإنما يتذكر أيضًا السياق الذي سبق المجزرة: حصار بيروت، ثم الاتفاق، ثم خروج المقاتلين، ثم الضمانات الدولية، وأخيرًا انهيار كل تلك الضمانات أمام مشاهد القتل.

ورأى حلوم أن أي نقاش سياسي جدي بشأن السلاح الفلسطيني يجب أن يبدأ من السؤال عن الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني، وليس من مطالبة الفلسطينيين بالتجرد من عناصر قوتهم قبل معالجة أصل القضية.

وقال إن "السلاح ليس أصل القضية الفلسطينية؛ أصل القضية هو الاحتلال وسلب الأرض وحرمان شعب من حقه في تقرير المصير"، معتبرًا أن معالجة نتيجة الصراع وترك مسبباته لن توفر أمنًا حقيقيًا للفلسطينيين أو للمنطقة.

وأضاف أن الطريق الذي يمنح الفلسطيني الشعور الحقيقي بالأمان هو إنهاء الاحتلال وإقامة نظام سياسي يضمن الحقوق الوطنية ووجود ضمانات قابلة للتنفيذ، وليس الاكتفاء بتعهدات سياسية يمكن التخلي عنها عند أول اختبار.

وختم حلوم بالقول إن الذكرى الـ44 لصبرا وشاتيلا يجب ألا تمر باعتبارها مناسبة للبكاء على الماضي فقط، بل باعتبارها درسًا للأجيال: "حين يُطلب من الفلسطيني أن يسلم أدوات قوته مقابل وعد، فإن شاتيلا تقف أمامه لتقول له ماذا يمكن أن يحدث عندما يسقط الوعد ويبقى الفلسطيني وحيدًا".

اخبار ذات صلة