مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقرر إجراؤها في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، تتزايد التساؤلات حول إمكانية إجرائها في موعدها، في ظل استمرار الحرب والاحتلال في قطاع غزة، وتعقيدات المشهد السياسي الفلسطيني، وعدم وضوح الظروف التي يمكن أن تجرى فيها الانتخابات.
ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان تجربة عام 2021، حين أُجّلت الانتخابات التشريعية والرئاسية التي كانت مقررة، بعدما أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأجيلها بذريعة عدم وجود ضمانات إسرائيلية تتيح مشاركة الفلسطينيين في القدس الشرقية المحتلة.
ورغم عدم صدور قرار رسمي بتأجيل الانتخابات الحالية، تتقاطع تقديرات سياسية عند اعتبار هذا الاحتمال قائماً، بالتزامن مع طرح إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني كمسار قد يسبق أو يتزامن مع تأجيل الاستحقاق التشريعي.
عقبات ميدانية وحسابات سياسية
ويرى مدير مركز مسارات، الدكتور هاني المصري، أن السيناريو الأرجح هو تأجيل الانتخابات، سواء إلى الربيع المقبل أو إلى موعد غير محدد، مع احتمال استكمال تشكيل مجلس وطني جديد عبر التعيين وما يسمى "المجمعات الانتخابية".
ويستند المصري إلى صعوبة إجراء الانتخابات في قطاع غزة، في ظل الاحتلال والحرب، والحاجة إلى تمكين طواقم لجنة الانتخابات والمرشحين والمراقبين من الوصول إلى القطاع، وإدخال مستلزمات الاقتراع.
لكنه يرى أن العقبات الفنية لا تفسر وحدها احتمال التأجيل، إذ تتداخل معها حسابات سياسية تتعلق بنتائج الانتخابات وموازين القوى. ويشير إلى أن إعلان حركة حماس استعدادها للمشاركة وطرح تشكيل قائمة ائتلافية واسعة قد يجعل المنافسة أكثر حدة، ويعيد رسم الخريطة السياسية في حال إجراء الانتخابات.
ويحذر المصري من أن انتخابات تجرى في ظل الاحتلال والانقسام ومن دون مشروع وطني متوافق عليه قد تؤدي إلى مزيد من التدهور والانقسام، بدلاً من أن تكون مدخلاً لتجديد الشرعية.
ويتقاطع الكاتب والمحلل السياسي الدكتور إياد القرا مع احتمال التأجيل، مشيراً إلى غياب مؤشرات واضحة على المضي فعلياً نحو الانتخابات، ووجود محاولات للبحث عن مخرج لإنهاء الملف، خصوصاً إذا لم تكن النتائج المتوقعة منسجمة مع حسابات القيادة الفلسطينية.
ويستحضر القرا تجربة 2021، ويرى أن الظروف الإقليمية والرفض الإسرائيلي واستمرار الاحتلال وسيطرته على أجزاء من قطاع غزة توفر مبررات يمكن استخدامها لتأجيل الانتخابات أو إعادة ترتيب المشهد السياسي بعيداً عن صناديق الاقتراع.
المجلس الوطني في الواجهة
ومن داخل المجلس الوطني الفلسطيني، رجّح عضو الدائرة السياسية في المجلس عمران الخطيب، الأحد 13 سبتمبر/أيلول، تعذر إجراء الانتخابات التشريعية أو تأجيلها في ظل الظروف السياسية والأمنية الراهنة.
وقال الخطيب إن إجراء الانتخابات يتطلب بيئة من الاستقرار السياسي والأمني، مشيراً إلى أن الأولوية الوطنية في المرحلة الحالية تتمثل في إجراء انتخابات المجلس الوطني، بما يتيح إعادة انتخاب لجنة تنفيذية جديدة لمنظمة التحرير الفلسطينية وضمان مشاركة مختلف الأطراف تحت مظلتها.
كما طرح إمكانية التوافق على عدد من أعضاء المجلس الوطني، داعياً إلى إشراك الكفاءات والشخصيات الفلسطينية المستقلة المنتشرة حول العالم وعدم حصر المشاركة في الفصائل.
وفي ما يتعلق بالاعتراضات على صيغة "التعيين"، قال الخطيب إن أي خطوات مقبلة، سواء بالانتخاب أو التوافق، تحتاج إلى صياغة توافق وطني يحدد الآليات والضوابط.
التأجيل أم الاستمرار؟
في المقابل، يرى الكاتب والمحلل السياسي مناضل حنني أن احتمال التأجيل مرتفع، في ظل الصعوبات التقنية المتعلقة بغزة والقدس، إلى جانب مخاوف سياسية من نتائج قد تؤدي إلى فقدان بعض الأطراف جزءاً من سيطرتها على المشهد.
ويعتبر حنني أن التأجيل سيعيد إنتاج سيناريو 2021، ويعمق شعور الفلسطينيين بأن العملية الديمقراطية قابلة للتعليق وفق الحسابات السياسية، بما يزيد الفجوة بين القيادة والجمهور، خصوصاً مع الضغوط الدولية باتجاه الإصلاح وتجديد الشرعية.
لكنه يرى، في المقابل، أن المضي في الانتخابات، حتى في ظل قيود وترتيبات استثنائية، قد يتيح فرصة لتجديد جزء من الشرعية ووضع القوى السياسية أمام استحقاق حقيقي، معتبراً أن الاستمرار، رغم صعوباته، أقل ضرراً على المدى المتوسط من التأجيل المفتوح.
ويشدد حنني على أن نجاح الانتخابات يتطلب توافقاً وطنياً حقيقياً، وضمانات لمشاركة الفلسطينيين في القدس، وآليات عملية لإجراء الاقتراع في قطاع غزة.
استحقاق معلن وواقع معقد
وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس أصدر في 9 يوليو/تموز الماضي مرسوماً حدد بموجبه 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية في القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، في استحقاق سيكون الأول من نوعه منذ انتخابات عام 2006.
وتبدو العقبات الحالية أوسع من تلك التي رافقت انتخابات 2021، إذ لا تتعلق بالقدس وحدها، وإنما بإمكانية الوصول إلى الناخبين ومراكز الاقتراع في قطاع غزة، وحركة طواقم الانتخابات وإدخال المستلزمات اللازمة للعملية.
وفي المقابل، فإن استمرار التحضيرات الانتخابية يبقي احتمال إجراء الاقتراع قائماً، ويجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه المشهد.
هل يتكرر سيناريو 2021 في الانتخابات؟
الرسالة نت - خاص