مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

غزة تعيد التعليم وسط مدارس مدمرة وحرب مستمرة

الرسالة نت- خاص

تعود عجلة التعليم في قطاع غزة للدوران وسط واقع تعليمي مثقل بآثار ثلاث سنوات من حرب الإبادة والدمار الواسع الذي طال المدارس والمنشآت والبنية التحتية، فيما يستعد مئات آلاف الطلبة للعودة إلى الدراسة في ظروف استثنائية تفتقر فيها أعداد كبيرة من المدارس إلى الحد الأدنى من مقومات البيئة التعليمية. وبين الأبنية المدمرة والمواقع المؤقتة والخيام والشوادر يحاول الطلبة استعادة مقاعدهم الدراسية في عام جديد يحمل معه آثار أعوام من الانقطاع والفقدان.

وتتوقع وزارة التربية والتعليم في غزة التحاق نحو 350 ألف طالب وطالبة بالعام الدراسي الجديد، مقارنة بنحو 270 ألفا خلال العام الماضي، في مؤشر على إصرار الأسر على إبقاء أبنائها داخل العملية التعليمية رغم استمرار الحرب وتداعياتها.

غير أن استيعاب هذه الأعداد يجري في ظل قدرة محدودة للغاية على توفير المدارس، إذ تتجه الوزارة إلى تشغيل نحو 230 موقعا ونقطة تعليمية، تشمل مدارس متبقية أو مؤهلة جزئيا، إلى جانب الخيام والمراكز التعليمية المؤقتة.

وتأتي هذه العودة في وقت تعرض فيه نحو 97% من المباني المدرسية في القطاع للأضرار، بينما تحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة بناء كاملة أو تأهيل رئيسي، وفق تقديرات وزارة التربية والتعليم.

ومع حرمان نحو 650 ألف طفل من التعليم الحضوري المنتظم قرابة ثلاثة أعوام، وبقاء أكثر من 300 ألف طفل خارج التعليم الوجاهي، تبدو بداية العام الدراسي محاولة لاستعادة حق أساسي وسط منظومة تعليمية منهكة، وواقع إنساني لا تزال الحرب ترسم تفاصيله اليومية.

محاولات النهوض

منجهته، قال مدير العلاقات العامة والإعلام في وزارة التربية والتعليم بغزة، أحمد النجار، إن الوزارة تتوقع التحاق نحو 350 ألف طالب وطالبة بالعام الدراسي الجديد، في زيادة واضحة مقارنة بالعام الماضي، معتبرا أن ارتفاع أعداد الطلبة يعكس تمسك الأسر في القطاع بحق أبنائها في التعليم رغم الظروف الإنسانية الصعبة والدمار الذي أصاب المنظومة التعليمية.

وأوضح النجار أن استيعاب هذه الأعداد سيعتمد بصورة أساسية على البدائل التعليمية المتاحة ميدانيا، مشيرا إلى توقع تشغيل نحو 230 موقعا ونقطة تعليمية خلال العام الدراسي الجديد.

وستضم هذه المواقع مدارس لا تزال قائمة أو جرى تأهيلها جزئيا إلى جانب الخيام والشوادر البلاستيكية والمراكز التعليمية المؤقتة.

وبيّن أن توزيع هذه المواقع سيركز على مناطق الاكتظاظ السكاني والنزوح، خصوصا المواصي وغرب غزة والمنطقة الوسطى، في محاولة لتوفير أماكن قادرة على استيعاب الطلبة في ظل النقص الحاد في الأبنية المدرسية الصالحة للاستخدام.

وأوضح النجار أن الوصول إلى تقدير نهائي لحجم الأضرار لا يزال صعبا، بسبب وجود مدارس داخل مناطق مصنفة ضمن المناطق "الصفراء"، الأمر الذي يحد من عمليات الحصر الميداني.

وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، لم يكن غياب المدرسة مجرد نتيجة مؤقتة للحرب وإنما أصبح واقعا يفرض على العملية التعليمية أنماطا بديلة. فالتعليم عن بُعد يمثل أحد الخيارات، بينما تحولت الخيام والشوادر والمراكز المؤقتة إلى بدائل أخرى، في وقت لا تزال فيه مدارس كثيرة غير قادرة على استقبال الطلبة.

وتشير المعطيات إلى أن نحو 650 ألف طفل في سن التعليم حرموا من الانتظام في التعليم الحضوري قرابة ثلاثة أعوام، فيما بقي أكثر من 300 ألف طفل خارج التعليم الوجاهي. وهذه الفجوة لا تعني فقط فقدان ساعات أو أعوام دراسية وإنما تعني أيضا تراكم خسائر تعليمية ونفسية واجتماعية يصعب تعويضها بالسرعة نفسها التي فُقدت بها.

كما أن البيئة التي يجري فيها التعليم حاليا تفرض تحديات إضافية، فالخيمة، مهما أمكن تجهيزها، لا توفر بالضرورة الظروف التي توفرها المدرسة التقليدية من حيث الاستقرار والمساحة والتجهيزات والخدمات. والتعليم الإلكتروني من جهته يحتاج إلى أجهزة واتصال منتظم بالإنترنت وبيئة منزلية مناسبة، وهي شروط قد لا تكون متاحة لجميع الأسر.

وفي موازاة جهود وزارة التربية والتعليم، دعا اتحاد الموظفين العرب في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" إلى استكمال الخطوات الرامية إلى إطلاق التعليم الوجاهي بصورة واضحة في مختلف مناطق غزة، بالتزامن مع استمرار التعليم الإلكتروني.

وحث الاتحاد الطلبة وأولياء الأمور على تسجيل أبنائهم في المدارس والنقاط التعليمية التابعة للأونروا، وتشجيعهم على الانتظام في الدراسة، مشيداً بجهود العاملين في القطاع التعليمي الذين يواصلون عملهم رغم الظروف الصعبة.

فجوة تتجاوز المباني

وتتعلق المشكلة التعليمية في غزة بقدرة المنظومة بأكملها على استعادة انتظامها، ولا تقف عند عدد المدارس المتضررة أو عدد المواقع المؤقتة المتاحة. فزيادة أعداد الطلبة المتوقعة تعني أن الحاجة إلى المدارس ستتسع في وقت تتقلص فيه القدرة الاستيعابية وهو ما يضع العملية التعليمية أمام فجوة يصعب سدها بالحلول المؤقتة وحدها.

كما أن استمرار التعليم في بيئات مؤقتة لفترات طويلة قد يحول الحل الطارئ إلى واقع دائم، ما لم تترافق العودة التدريجية للتعليم مع خطة لإعادة بناء المدارس وتأهيلها وتوفير التجهيزات والخدمات اللازمة.

وبعد ثلاث سنوات من الحرب، تبدو معركة التعليم في غزة مرتبطة بمعركة إعادة بناء المجتمع نفسه. فالمدرسة ليست مجرد مبنى يستقبل الطلبة وإنما مساحة للتعلم والاستقرار والحياة الطبيعية.

ولذلك فإن إعادة التعليم إلى مساره المنتظم تتطلب أكثر من فتح أبواب مؤقتة، إنها تحتاج إلى استعادة البنية التعليمية وتقليص أعداد الأطفال خارج المدارس وتوفير بيئة آمنة ومستقرة تتيح للجيل الذي عاش سنوات الحرب أن يستعيد حقه في التعلم دون أن تتحول سنوات الانقطاع إلى فجوة يصعب تجاوزها.

بث مباشر