مع اقتراب انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر 2026، لا يترك الجدل حول طريقة تشكيل المجلس وترتيب عضويته مساحة كبيرة للحديث عن استحقاق انتخابي عادي؛ فخلف التفاصيل المتعلقة بالمقاعد و"المجمعات الانتخابية" تبرز أسئلة أوسع حول مستقبل منظمة التحرير، وحدود دور السلطة الفلسطينية، ومن يملك مفاتيح إعادة تشكيل المؤسسات السياسية الفلسطينية في المرحلة المقبلة.
ويرى الدكتور إياد القرا الكاتب والمحلل السياسي أن لجوء القيادة الفلسطينية إلى التعيينات لا يمكن فصله عن محاولة إعادة ترتيب المشهد السياسي والمؤسساتي الفلسطيني، سواء عبر الذهاب إلى الانتخابات أو من خلال إعادة هندسة تركيبة المؤسسات قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.
ويقول إن هذا النهج ظهر في محطات سابقة، من بينها التعديلات التي طرأت على قانون المجلس التشريعي، قبل التراجع عنها، وما رافقها من طرح يتعلق بإمكانية التعيين داخل المجلس، قبل أن ينتقل النقاش لاحقاً إلى المجلس الوطني.
وبحسب القرا، فإن التعامل مع تمثيل نحو 67 عضواً من قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، مقابل ترك بقية التجمعات الفلسطينية لما يسمى "المجمعات الانتخابية"، يجعل العملية أقرب إلى التزكية منها إلى انتخابات شعبية مباشرة، معتبراً أن ذلك يأتي في سياق إعادة ترتيب منظمة التحرير تحت ضغوط غربية وأوروبية لإعادة تفعيل السلطة الفلسطينية ودورها السياسي.
ولا يرى القرا أن المسألة تتوقف عند حدود إعادة تنظيم مؤسسات منظمة التحرير، بل يعتبر أن هناك توجهاً لإعادة صياغة المنظومة السياسية بما يعزز موقع السلطة على حساب المنظمة، الأمر الذي يراه ابتعاداً عن مبدأ التوافق الوطني الذي يفترض أن يحكم أي استحقاق انتخابي فلسطيني.
ياسر عباس.. من الترتيب الفتحاوي إلى المشهد الوطني
وفي قلب هذا الجدل يبرز اسم ياسر عباس، الذي يرى الكاتب والمحلل السياسي الدكتور إياد القرا أن دوره شهد تصاعداً خلال الفترة الأخيرة، بالتوازي مع سلسلة من التغييرات داخل حركة فتح ومؤسسات منظمة التحرير، وصولاً إلى ملف تشكيل المجلس الوطني والتعيينات المرتبطة به.
في قراءة القرا، يحتل ياسر عباس موقعاً متقدماً في هذه التحولات، إذ يعتبر أن سلسلة التغييرات الأخيرة تمهد، بصورة أو بأخرى، لتعزيز حضوره في المرحلة السياسية المقبلة.
ويشير إلى أن ملامح هذا الدور بدأت بالظهور داخل حركة فتح، من خلال انتخابات اللجنة المركزية واجتماعات المجلس الثوري، وصولاً إلى منحه دوراً متزايداً تحت مسمى "الممثل الخاص".
ولا يحصر القرا هذا الحضور في الإطار الداخلي لحركة فتح، بل يربطه أيضاً بملفات خارجية، من بينها لبنان، والتغييرات في التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني، إلى جانب ظهوره في ملفات تتصل بالكويت وقطر، وصولاً إلى ملف التعيينات في المؤسسات الفلسطينية.
وبحسب هذه القراءة، فإن أهمية ملف ياسر عباس لا تكمن فقط في صعود شخصية داخل حركة فتح، وإنما في احتمال أن يكون هذا الصعود جزءاً من ترتيب أوسع للمرحلة السياسية المقبلة، بما يجعل السؤال حول طبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه داخل مؤسسات منظمة التحرير والمجلس الوطني أكثر حضوراً.
الخشية من الصندوق
لكن السؤال الأكثر حساسية، وفق القرا، يتعلق بسبب اللجوء إلى التعيينات بدلاً من ترك مساحة أكبر للاختيار الشعبي.
ويعتقد أن أحد التفسيرات الرئيسية يتمثل في الخشية من نتائج الانتخابات، خصوصاً في الضفة الغربية، حيث لا تضمن المؤشرات المتاحة للقيادة الفلسطينية نتائج تتوافق بالضرورة مع حساباتها السياسية.
ويستحضر في هذا السياق تجربة انتخابات عام 2021، التي جرى تأجيلها بعد بروز مؤشرات على إمكانية أن تأتي النتائج في غير مصلحة الأطراف القائمة على السلطة.
ويرى القرا أن الظروف الحالية توفر بدورها عدداً من المبررات التي يمكن استخدامها لتأجيل الانتخابات، من بينها الظروف الإقليمية، والرفض (الإسرائيلي)، واستمرار الاحتلال وسيطرته على أجزاء من قطاع غزة، الأمر الذي قد يسمح، وفق تقديره، بإعادة ترتيب المشهد السياسي بعيداً عن صناديق الاقتراع.
ومن هنا، تصبح إعادة تشكيل المجلس الوطني، في قراءة القرا، جزءاً من محاولة استباق نتائج محتملة للانتخابات التشريعية، خصوصاً في ظل المخاوف من إمكانية تحقيق قوى معارضة للسلطة نتائج متقدمة.
ويشير إلى أن ملف محمد دحلان يدخل كذلك في هذه الحسابات، في ظل محاولات إعادة ترتيب العلاقة معه، وما قد يترتب على أي تقارب بينه وبين حركة حماس من تداعيات انتخابية، ولا سيما إذا جرى تشكيل قوائم مشتركة أو متقاطعة في الضفة الغربية.
وبذلك، لا تعود قضية المجلس الوطني منفصلة عن مستقبل المجلس التشريعي، إذ إن طريقة تشكيل الأول قد تكون، وفق هذا التحليل، جزءاً من الحسابات المتعلقة بنتائج الثاني.
البدايات لا تبعث على التفاؤل
وفي مقابل القراءة التي تربط التعيينات بحسابات سياسية وانتخابية، يضع القيادي في الجبهة الديموقراطية تيسير خالد المسألة في إطار أوسع يتعلق بطبيعة المجلس الوطني نفسه ومستقبل منظمة التحرير.
ويعتبر خالد أن المجلس الوطني هو "برلمان الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج"، مشيراً إلى أن تشكيله في مراحل سابقة كان يقوم على مزيج من ممثلي الفصائل، والمنظمات والاتحادات الشعبية، والشخصيات الوطنية المستقلة، بما جعله أقرب إلى مؤسسة تمثيلية توافقية.
ويرى أن تضخم أعداد أعضاء المجلس خلال العقود الماضية أفقده جزءاً من قدرته على أداء دوره باعتباره المؤسسة التشريعية والسياسية العليا للشعب الفلسطيني، لكنه في الوقت نفسه يعتبر أن الاستحقاق الحالي يمكن أن يشكل فرصة لإعادة الاعتبار إلى المؤسسة الوطنية.
ويؤكد خالد أن تشكيل المجلس الوطني يجب أن يقوم على عملية مزدوجة تجمع بين انتخابات حرة وديمقراطية ونزيهة للمجلس التشريعي، وصيغة وطنية توافقية لاستكمال عضوية المجلس الوطني، بحيث تنتج العمليتان معاً مؤسسة سياسية وتشريعية عليا تعمل بعيداً عن الاستفراد بالقرار الوطني.
غير أن خالد يبدي تحفظاً واضحاً على الطريقة التي يجري بها التعامل مع التمثيل الفلسطيني في الخارج، خصوصاً اعتماد ما يسمى "المجمعات الانتخابية".
ويقول إن المشكلة الأساسية تتمثل في غياب معايير واضحة ومقبولة لتشكيل هذه المجمعات، متسائلاً عن كيفية تشكيلها في البلدان العربية والدول الأوروبية والأميركيتين، ومدى ارتباطها بالمؤسسات القائمة للجاليات الفلسطينية.
ويرى أن تجاوز مؤسسات الجاليات والاتحادات الشعبية والمنظمات المهنية والمجتمعية الفلسطينية عند تشكيل هذه المجمعات يمثل وصفة للفشل، مؤكداً أن هذه الأطر ينبغي التعامل معها باعتبارها مؤسسات مجتمع مدني فلسطيني مستقلة في بلدان إقامتها، لا باعتبارها امتداداً للسلطة الفلسطينية.
بين الانتخابات والتعيين.. أزمة ثقة
ويلتقي القرا وخالد، أن طريقة تشكيل المجلس الوطني لا يمكن فصلها عن أزمة الثقة التي تعاني منها المؤسسات السياسية الفلسطينية.
فالقرا يقرأ التعيينات باعتبارها مؤشراً إلى خشية من نتائج الصندوق ومحاولة لإدارة المرحلة المقبلة مسبقاً، فيما يرى خالد أن تجاوز الأطر التمثيلية الفلسطينية القائمة واعتماد صيغ غير واضحة مثل "المجمعات الانتخابية" يهدد بإضعاف شرعية المجلس قبل أن يبدأ عمله.
وفي الحالتين، يبرز السؤال حول ما إذا كان المجلس الوطني المقبل سيعيد بناء الثقة بالمؤسسات الفلسطينية، أم أن طريقة تشكيله ستعمق الفجوة بين هذه المؤسسات والجمهور الفلسطيني في الداخل والخارج.
وتزداد حساسية السؤال مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، إذ إن نجاح أي عملية انتخابية لا يتوقف فقط على تحديد موعدها، وإنما على مدى استعداد الأطراف الفلسطينية لقبول نتائجها، أياً كانت، والاحتكام إلى الصندوق باعتباره وسيلة لتجديد الشرعية لا أداة لإنتاج نتائج محسوبة سلفاً.
ولهذا، فإن المعركة السياسية المقبلة قد لا تكون فقط حول من يدخل المجلس الوطني، وإنما حول القاعدة التي ستحدد من يدخل إليه: هل هي الإرادة الشعبية، أم التوافقات الفصائلية، أم التعيينات، أم خليط غير واضح من هذه الأدوات؟
تعيينات الوطني .. ترتيب المقاعد تسبق صناديق الاقتراع
الرسالة نت - خاص