قائمة الموقع

في غزة.. هاتفك القديم ثروة يصعب تعويضها

2026-09-12T20:50:00+03:00
الرسالة نت - متابعة

لم يعد تعطل الهاتف المحمول في غزة عطلًا عابرًا يمكن تجاوزه بسهولة، فالجهاز الذي كان يُستخدم قبل الحرب للاتصال والتصوير وتصفح مواقع التواصل، أصبح اليوم جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ من متابعة التعليم وتحويل الأموال إلى دفع ثمن المشتريات والمواصلات، والوصول إلى الخدمات والمعلومات.
ومع أزمة السيولة النقدية التي دفعت السكان والتجار إلى الاعتماد بصورة أكبر على المحافظ الإلكترونية والتحويلات الرقمية، ازدادت أهمية الهاتف، في وقت أصبح فيه الحصول على جهاز جديد أو حتى إصلاح الجهاز القديم أكثر صعوبة وكلفة.
تقول أنسام عدنان، وهي مواطنة من غزة، إن الهاتف أصبح من الأشياء التي لا يمكن الاستغناء عنها، ليس بسبب الاتصال فقط، وإنما لأنه بات مرتبطًا بالكثير من احتياجات الحياة اليومية.
وتضيف أن فقدان الهاتف أو تعطله يضع صاحبه أمام مشكلة أكبر من مجرد شراء جهاز بديل، في ظل الأسعار المرتفعة وصعوبة العثور على الأجهزة المناسبة، مشيرة إلى أن كثيرًا من المواطنين باتوا يتمسكون بهواتفهم القديمة ويحاولون إصلاحها مهما كانت حالتها.
وتبدو هذه المعاناة واضحة في محال تصليح الهواتف، حيث لم يعد العاملون يتعاملون مع أجهزة جديدة نسبيًا كما كان الحال قبل الحرب، وإنما مع هواتف استُهلكت لسنوات طويلة، وتعرض بعضها للسقوط أو الأضرار خلال التنقل والنزوح.
يقول حسن علي، الذي يعمل في مجال تصليح الهواتف في غزة، إن معظم الأجهزة التي تصل إلى محله تكون قديمة أو تعرضت لأعطال متكررة، بينما تكمن المشكلة الأكبر في عدم توفر قطع الغيار اللازمة لإصلاحها.
ويضيف أن نقص القطع أجبر أصحاب محال الصيانة على البحث عن بدائل، من بينها تفكيك هواتف تالفة والاستفادة من أجزائها في إصلاح أجهزة أخرى، مؤكدًا أن بعض القطع أصبحت نادرة إلى درجة تجعل العثور عليها أصعب من عملية إصلاح الهاتف نفسها.
ويشير علي إلى أن الشاشات تأتي في مقدمة القطع التي يصعب توفيرها، إذ إن نسبة كبيرة من الأنواع المطلوبة في السوق غير متوفرة، ما يدفع أسعار المتاح منها إلى الارتفاع بشكل كبير.
وبحسب العاملين في السوق، فإن شاشة كان سعرها قبل الحرب في حدود 80 شيكلًا، أصبحت بعض أنواعها تُباع اليوم بما بين 800 و1000 شيكل، بحسب نوع الهاتف وتوفر القطعة.
ولا يقتصر ارتفاع الأسعار على قطع الغيار، إذ ارتفعت أسعار الهواتف نفسها بصورة حادة. فالأجهزة التي كانت تباع بنحو 400 إلى 700 شيكل قبل الحرب، قد يصل سعر بعضها اليوم إلى 2500 أو 3000 شيكل.
أما الهواتف البسيطة التي كان سعرها في حدود 290 شيكلًا، فأصبح بعضها يُعرض بما بين 1500 و1800 شيكل، فيما قفزت أسعار بعض أجهزة "آيفون" من نحو 3800 شيكل إلى ما بين 10 آلاف و11 ألف شيكل.
ويقول حسن علي إن هذه الارتفاعات لا تعني بالضرورة أن الناس أصبحوا يقبلون على شراء أجهزة باهظة الثمن، بل على العكس، فإن غالبية المواطنين يحاولون إصلاح ما لديهم، لأن شراء هاتف جديد أصبح خيارًا يفوق قدرتهم المالية.
ويشرح أن الهاتف الذي يدخل إلى محل الصيانة قد يحتاج إلى أكثر من قطعة، لكن المواطن غالبًا ما يطلب إصلاح العطل الأكثر إلحاحًا وتأجيل بقية الأعطال، في محاولة لإطالة عمر الجهاز لأطول فترة ممكنة.
حين يصبح الهاتف وسيلة للدفع
وتأتي أزمة الهواتف في وقت تغيّرت فيه طبيعة التعاملات المالية داخل القطاع. فالنقص الحاد في السيولة النقدية أدى إلى توسع استخدام المحافظ الإلكترونية والتحويلات الرقمية، وأصبح الهاتف مرتبطًا بشكل مباشر بقدرة المواطنين على استقبال الأموال وإنفاقها.
وفي فبراير/شباط 2026، أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى أن المدفوعات الرقمية أصبحت الوسيلة الغالبة لتحويل المساعدات النقدية، بالتزامن مع زيادة عدد التجار الذين يقبلون الدفع عبر المحافظ الإلكترونية.
كما وثقت الأمم المتحدة خلال سبتمبر/أيلول 2025 إيصال مساعدات نقدية إلى أسر في غزة من خلال رموز دفع أو تحويلات مباشرة إلى المحافظ الرقمية، في ظل استمرار أزمة السيولة.
وهذا التحول جعل الهاتف أكثر من مجرد جهاز اتصال؛ فتعطله قد يعني تعذر الوصول إلى المال أو إجراء تحويل أو دفع ثمن سلعة أو خدمة.
وتقول أنسام عدنان إن الاعتماد المتزايد على الهاتف في المعاملات اليومية جعل الاحتفاظ به ضرورة، حتى عندما يصبح قديمًا أو يعاني من أعطال متكررة، لأن استبداله ليس أمرًا متاحًا للجميع.
وتضيف أن المواطن بات يفكر أكثر من مرة قبل أن ينفق مئات الشواكل على إصلاح هاتفه، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع التخلي عنه، لأنه يحتاج إليه في التواصل وإدارة شؤونه اليومية.
أجهزة أنهكها النزوح
ولم تسلم الهواتف الموجودة أصلًا في القطاع من آثار الحرب؛ فقد رافق بعضها أصحابها خلال عمليات النزوح المتكررة، وتعرضت أجهزة أخرى للسقوط أو الكسر أو التلف، بينما أدى استمرار استخدامها لسنوات من دون استبدالها إلى تقادمها وتراجع قدرتها على العمل.
وبحسب العاملين في مجال الصيانة، فإن هذا الوضع أدى إلى زيادة الضغط على سوق الإصلاح، في وقت تتراجع فيه القدرة على توفير القطع الجديدة.
ويقول حسن علي إن بعض الهواتف أصبحت بالنسبة لأصحابها أشبه بـ"آخر خيار"، فيحاولون إصلاحها مرة بعد أخرى بدل شراء جهاز جديد، حتى عندما تكون تكلفة الإصلاح مرتفعة.
وتزداد المشكلة مع صعوبة إدخال الهواتف ومستلزمات الصيانة إلى القطاع، ما أدى إلى تقلص المعروض وارتفاع الأسعار، ودفع سوق الصيانة إلى الاعتماد بصورة أكبر على الأجهزة التالفة كمصدر لقطع الغيار.
وفي هذه الظروف، أصبح الهاتف المحمول سلعة استثنائية في غزة؛ فالجهاز القديم الذي كان يمكن استبداله بسهولة قبل الحرب بات يحتفظ بقيمته لدى صاحبه، ليس لسعره، وإنما لما يوفره من إمكانية الوصول إلى المال والتعليم والخدمات والتواصل.
وبينما تتآكل الأجهزة بفعل سنوات الاستخدام والنزوح، تتقلص خيارات إصلاحها أو استبدالها. لذلك، فإن كسر شاشة هاتف في غزة قد لا يعني مجرد عطل في جهاز، بل بداية أزمة تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية لصاحبه.
ففي مكان أصبحت فيه شاشة الهاتف بوابة إلى المال والخدمات والتواصل، لم يعد إصلاح الهاتف رفاهية، بل محاولة للحفاظ على وسيلة أساسية للحياة.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00