مع بدء موسم الأعياد اليهودية، السبت 12 سبتمبر/أيلول 2026، يدخل المسجد الأقصى مرحلة جديدة من التصعيد الإسرائيلي، في ظل استعدادات مكثفة من جماعات "الهيكل" لفرض طقوس يهودية جديدة داخل المسجد وتوسيع نطاق الاقتحامات، بالتوازي مع تحركات سياسية وأمنية وقضائية تسعى إلى تغيير قواعد الوصول إليه والوضع القائم فيه.
ويمتد الموسم حتى 3 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، ويشمل أربع محطات رئيسية؛ تبدأ برأس السنة العبرية يومي 12 و13 سبتمبر، ثم أيام التوبة العشرة التي تنتهي بما يسمى "عيد الغفران" في 21 سبتمبر، يليها "عيد العرش" من 25 سبتمبر إلى 2 أكتوبر، قبل أن يختتم الموسم بما يسمى "ختمة التوراة" في 3 أكتوبر.
ويكتسب الموسم هذا العام أهمية إضافية لدى جماعات "الهيكل"، التي تنظر إلى الأعياد باعتبارها فرصة لتكثيف حضورها داخل الأقصى وفرض المزيد من المظاهر والطقوس اليهودية، مستفيدة من تدرج بدأت محاولاته منذ سنوات، لكنها شهدت خلال 2026 خطوات متسارعة.
وبحسب الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص، فإن ما يجري لا يقتصر على التحضير لاقتحامات موسمية، وإنما يعكس محاولة لبناء مسار متدرج يهدف إلى تغيير طبيعة الوجود داخل المسجد وتوسيع ما تصفه الجماعات الإسرائيلية بـ"الحق اليهودي" فيه.
البوق والكتب التوراتية.. طقوس تتسلل إلى الأقصى
ومن أبرز التحركات الإسرائيلية السعي إلى إدخال أدوات وكتب دينية يهودية إلى المسجد، في تطور يقول ابحيص إنه يأتي تتويجًا لمسار بدأ منذ عام 2018.
وشهد يناير/كانون الثاني 2026 طباعة أوراق صلاة خاصة بالمقتحمين وتوزيعها عليهم، قبل أن تتوسع هذه الخطوة عقب إعادة فتح الأقصى في 9 أبريل/نيسان، وصولًا إلى إدخال ما يسمى "كتاب مراثي الهيكل" خلال اقتحام جرى في ذكرى "خراب الهيكل" في 23 يوليو/تموز الماضي.
وفي أغسطس/آب، بدأت شرطة الاحتلال ما وصف بأنه تجربة لإدخال "السيدور"، وهو كتاب الطقوس والصلاة اليهودية، إلى المسجد، إذ جرى السماح لـ15 مستوطنًا بتلقي نسخ منه قبل اقتحامهم.
وتحمل هذه الخطوة دلالات تتجاوز إدخال كتاب ديني، بحسب ابحيص، إذ إن الصلاة اليهودية تتطلب وجود نصوص مكتوبة، بما يجعل السماح بالكتاب مقدمة لفرض طقوس دينية داخل الأقصى.
ويربط الباحث هذه التحركات بسلسلة من المحاولات الإسرائيلية السابقة لتغيير قواعد التعامل مع المسجد، والتي أثارت في مراحل مختلفة احتجاجات وهبات فلسطينية، من بينها هبة النفق عام 1996، ومحاولات تغيير واقع المسجد خلال الأعياد اليهودية، وصولًا إلى أزمة البوابات الإلكترونية عام 2017 ومحاولات السيطرة على منطقة باب الرحمة.
اقتحامات مسائية.. مسعى لتوسيع التقسيم الزماني
ولا تتوقف المطالب عند إدخال الطقوس والكتب، إذ تسعى جماعات "الهيكل" إلى توسيع ساعات وجود المستوطنين داخل الأقصى، من خلال المطالبة بفتح المسجد أمام ما يسمى "صلوات التوبة المسائية".
وانطلقت حملة توقيعات بهذا الشأن في 10 أغسطس/آب الماضي، بهدف إضافة فترة اقتحامات بعد صلاة العشاء، في خطوة من شأنها توسيع نطاق ما بات يعرف بالتقسيم الزماني للمسجد.
وتأتي هذه المطالب امتدادًا لتغييرات جرى إدخالها تدريجيًا خلال الفترة الماضية؛ إذ زادت مدة الاقتحامات خلال رمضان، كما أضيفت لاحقًا نصف ساعة إلى فترات الاقتحام المعتادة، لتصل مدة الاقتحامات اليومية، من الأحد إلى الخميس، إلى نحو ست ساعات ونصف، في حين تتوقف يومي الجمعة والسبت.
وكان وزير العدل الإسرائيلي ياريف ليفين قد وعد، في ديسمبر/كانون الأول 2025، بتوسيع أوقات الاقتحام، في مؤشر على انتقال بعض مطالب جماعات "الهيكل" من مستوى الضغط الشعبي إلى دائرة النقاش السياسي الرسمي.
السبت.. معركة جديدة على أبواب الأقصى
ويبرز فتح المسجد أمام الاقتحامات أيام السبت كأحد أكثر المطالب حساسية خلال الموسم الحالي.
وبدأت جماعات "الهيكل" حملتها في يوليو/تموز الماضي، قبل أن تنشئ ما سمته "لجنة فتح جبل الهيكل في السبت"، وتكثف تحركاتها السياسية والإعلامية للضغط من أجل السماح للمستوطنين باقتحام المسجد في هذا اليوم.
وعقدت اللجنة مؤتمرًا في القدس في 27 أغسطس/آب، بحضور وزير الإعلام الإسرائيلي شلومو كارحي وعضو الكنيست عن حزب الليكود عميت هاليفي، لمناقشة سبل تحقيق هذا الهدف.
ولم تكتف الجماعات بالتحرك السياسي، إذ بدأت تنظيم صلوات خاصة في أيام الخميس للمطالبة بفتح الأقصى يوم السبت، وقاد الحاخام إلياهو ويبر من "مدرسة جبل الهيكل الدينية" أولى هذه الصلوات في 3 سبتمبر، قبل تكرارها في 10 سبتمبر.
وفي اليوم نفسه، تقدمت جماعات "الهيكل" بالتماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للمطالبة بالسماح بالاقتحامات أيام السبت، مستغلة وقوع ثلاث مناسبات رئيسية من موسم الأعياد في أيام السبت، وهي رأس السنة العبرية وأحد أيام عيد العرش و"ختمة التوراة".
ورغم إدراك هذه الجماعات، وفق ابحيص، أن تحقيق هذا المطلب خلال الموسم الحالي قد يكون صعبًا، فإنها تنظر إلى الحملة باعتبارها خطوة لتأسيس مسار طويل الأمد يمكن أن يقود لاحقًا إلى فتح الأقصى أمام الاقتحامات يوم السبت.
باب الرحمة.. بؤرة صلاة جديدة
وفي موازاة التحركات داخل المسجد، يجري العمل على إنشاء بؤرة صلاة يهودية جديدة قبالة باب الرحمة من الخارج.
وبدأ هذا المسعى بدعوة أطلقها الضابط السابق في جيش الاحتلال أوري أوهيون في أغسطس/آب، دعا فيها إلى إقامة صلوات أمام باب الرحمة، مستندًا إلى رواية دينية يهودية تزعم أهمية الموقع باعتباره جزءًا من "سور الهيكل".
وبدأت الصلوات الجماعية في الموقع أواخر أغسطس، وتكررت في 3 و10 سبتمبر، بالتزامن مع نفخ البوق.
ويكتسب الموقع حساسية خاصة بسبب وجود مقامي الصحابيين شداد بن أوس وعبادة بن الصامت رضي الله عنهما، فضلًا عن امتداد مقبرة باب الرحمة في المنطقة، بينما يتجمع المستوطنون في موقع "موقف جفعاتي" قبل التوجه إلى المكان.
ويرى ابحيص أن استحداث هذه البؤرة يمثل محاولة لإيجاد حضور ديني يهودي دائم في محيط الأقصى، وليس مجرد نشاط موسمي مرتبط بالأعياد.
البقرات الحمراء.. مشروع لا يغيب عن المشهد
وإلى جانب التحركات الميدانية والسياسية، تواصل جماعات "الهيكل" الدفع بمشروع "البقرات الحمراء"، الذي يمثل أحد المكونات الدينية المركزية في تصورها لإعادة بناء "الهيكل".
وفي أغسطس/آب الماضي، أعلنت الجماعات عن ولادة بقرة حمراء ثالثة في مستوطنة "موشاف ميحولا" في الأغوار، وأخضعت البقرة لمتابعة خاصة من جانب "معهد الهيكل".
وفي 18 أغسطس، زار حاخامات ومختصون من المعهد المواقع التي ولدت فيها ثلاث بقرات حمراء، واعتبروا ولادتها خلال فترة الحرب مؤشرات على ما وصفوه بـ"رعاية إلهية" لمسار إعادة بناء الهيكل.
وتشكل البقرات الحمراء جزءًا من تصور ديني لدى جماعات "الهيكل" يرتبط بطقوس التطهير اللازمة، ولذلك تحظى القضية بمتابعة خاصة من جانب هذه الجماعات التي تعمل على توفير شروطها الدينية والعملية.
موسم اختبار
وتكشف مجمل هذه التحركات عن موسم أعياد مختلف هذا العام؛ فالمسألة، وفق قراءة ابحيص، لا تتعلق فقط بزيادة أعداد المقتحمين، وإنما بمحاولة اختبار مجموعة من الوقائع الجديدة في آن واحد: إدخال الكتب والرموز الدينية، توسيع ساعات الاقتحام، المطالبة بالاقتحام يوم السبت، إنشاء نقاط صلاة جديدة قرب أبواب الأقصى، ومواصلة مشروع البقرات الحمراء.
وتتزامن هذه التحركات مع تصاعد الدعوات الفلسطينية والمقدسية إلى شد الرحال والرباط في المسجد الأقصى، في مواجهة ما تعتبره المؤسسات المقدسية محاولات إسرائيلية متدرجة لتغيير الوضع القائم وفرض واقع جديد داخل المسجد ومحيطه.
وبذلك يبدو موسم الأعياد الممتد حتى مطلع أكتوبر المقبل بمثابة اختبار لموازين جديدة حول الأقصى؛ فبينما تسعى جماعات "الهيكل" إلى استغلال الموسم لتثبيت خطوات سبق أن بدأت خلال السنوات الماضية، يبقى المسجد محور مواجهة مفتوحة حول هويته ووضعه التاريخي، وسط مخاوف من أن تتحول الطقوس المؤقتة إلى وقائع دائمة يصعب التراجع عنها.