☰
✕

قائمة الموقع

"تنازل لله" تسقط ملايين الشواكل من الديون

2026-09-11T12:03:00+03:00
الرسالة نت - متابعة

لم تكن عبارة «تنازل لله» مجرد نداء عابر لاستنهاض مشاعر الفلسطينيين وحثهم على فعل الخير، بل تحولت خلال أيام إلى مبادرة إنسانية تسعى إلى ترجمة قيم المسامحة والتراحم والتكافل إلى واقع، في مجتمع أثقلت الحرب والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة كاهله، وتفاقمت فيه الأعباء الاقتصادية والديون.

بدأت الحكاية عند السابعة من صباح الجمعة الماضية، عندما وجدت معلمة فلسطينية نفسها أمام تعثر مالي دفعها إلى الاستنجاد بالإعلامي والناشط علاء الريماوي. وبعد تواصل الريماوي مع صاحب الشيك، وافق الأخير على وقف إجراءاته بحقها والتنازل عن الدين المستحق عليها، لتنتهي الأزمة بالنسبة للمعلمة، وتبدأ منها فكرة أوسع.

ويقول الريماوي إن الموقف دفعه إلى تحويل ما بدأ كمبادرة فردية إلى حملة عامة تحت وسم «تنازل لله»، دعا خلالها أصحاب الشيكات والدائنين إلى المسامحة في الديون وإسقاطها عن المدينين، ولا سيما المتعثرين منهم، أو منحهم مهلة وتيسيرات تساعدهم على تجاوز أزماتهم.

وخلال الساعات الأولى من إطلاق الحملة، وصل حجم الديون التي أعلن أصحابها التنازل عنها إلى نحو 7 ملايين شيكل، قبل أن يقترب الرقم لاحقا من 15 مليون شيكل، في مؤشر على حجم التفاعل الشعبي مع المبادرة.

من غزة إلى الضفة

ولم يقتصر التفاعل مع المبادرة على مدينة أو منطقة بعينها، إذ امتدت قصص التنازل والمسامحة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وكشفت عن حالات اختار فيها أصحاب الحقوق إعفاء مدينين أثقلتهم الظروف الاقتصادية.

ومن بين هذه الحالات، سيدة نازحة في قطاع غزة أسقطت ثلثي الديون المستحقة لها على أشخاص آخرين، فيما أقدم تاجر على إحراق دفتر الديون وعشرات الشيكات على الهواء مباشرة، في مشهد أراد من خلاله تحويل المسامحة من موقف فردي إلى رسالة تضامن عامة.

وفي حالة أخرى، تبرعت امرأة بإسورتها الذهبية لجارتها حتى تتمكن من توفير تكاليف تعليم ابنها، قبل أن تتنازل أيضا عن الدين المستحق عليها.

ويرى الريماوي أن هذه المبادرات تستند إلى قيم اجتماعية ودينية متجذرة في المجتمع الفلسطيني، قائلا إن ما يحركها هو الرغبة في «جبر خواطر المتعثرين والفقراء ومن أثقلتهم الديون».

ولا تقتصر الحملة، وفق الريماوي، على إسقاط الدين بصورة كاملة، بل تقوم على ثلاثة مسارات رئيسية هي التنازل عن الدين، أو تأجيله، أو التيسير على المدينين في عملية السداد، بما يخفف عنهم وطأة الظروف الاقتصادية الصعبة.

كما وجه دعوة إلى المقتدرين والأثرياء من الفلسطينيين والعرب المقيمين في الخارج للمساهمة في كفالة المتعثرين والأيتام والمصابين والأشخاص الذين يواجهون ملاحقات قضائية بسبب الديون، مطالبا الشركات والمؤسسات الفلسطينية الكبيرة بإعادة النظر في ملاحقة المدينين والتخفيف عنهم.

«نبض مالك».. التضامن في مواجهة المرض

وفي الخليل جنوبي الضفة الغربية، أخذ التضامن المجتمعي شكلا آخر عبر مبادرة «نبض مالك»، التي أطلقت لجمع التبرعات للشاب الفلسطيني مالك القواسمة، الذي يحتاج إلى عملية معقدة تشمل زراعة قلب ورئتين، وتبلغ تكلفتها أكثر من مليون و400 ألف شيكل، أي ما يقارب 466 ألف دولار.

وخلال ساعات من إطلاق الحملة، التي جاءت برعاية محافظ الخليل ومؤسسات خيرية ومجتمعية، تمكن الفلسطينيون من جمع نحو مليون و600 ألف شيكل، متجاوزين المبلغ المطلوب، وسط مشاركة واسعة من المواطنين والتجار وحتى الأطفال الذين أحضروا حصالاتهم وتبرعوا بما ادخروه.

ويرى مالك أن ما جرى لم يكن مجرد حملة لجمع المال، وإنما تعبير عن «فزعة» الفلسطينيين وتضامنهم مع من يمر بأزمة، مؤكدا أنه كان على ثقة بأن أهالي الخليل والفلسطينيين عموما لن يتركوه وحيدا في معركته من أجل الحياة.

اقتصاد مثقل بالديون

وتأتي هذه المبادرات في وقت يواجه فيه الفلسطينيون أزمة اقتصادية متراكمة، تفاقمت بفعل الحرب وتراجع القدرة الشرائية وتأخر صرف رواتب الموظفين العموميين.

ومنذ سنوات، تصرف حكومة السلطة الفلسطينية لموظفيها العموميين أنصاف رواتب، في ظل أزمة مالية مرتبطة، من بين عوامل أخرى، باحتجاز إسرائيل أموال المقاصة، وهي الإيرادات الضريبية التي تجبيها إسرائيل على السلع المستوردة إلى الأراضي الفلسطينية.

وأدى استمرار هذه الأزمة إلى تراكم الالتزامات والديون، ليس فقط على الأفراد والأسر، وإنما أيضا على السلطة الفلسطينية نفسها، التي تشير أحدث بياناتها المالية إلى وصول إجمالي الديون والالتزامات عليها إلى نحو 17 مليار دولار حتى أغسطس/آب الماضي.

وفي ظل هذه الظروف، تبدو مبادرات مثل «تنازل لله» و«نبض مالك» محاولة مجتمعية لسد جانب من الفجوة التي خلفتها الأزمات الاقتصادية، عبر استعادة أحد أشكال التكافل الاجتماعي، وتحويل التضامن من شعار إلى مساعدة مباشرة تخفف عن أشخاص وجدوا أنفسهم عاجزين عن مواجهة الديون أو تكاليف العلاج.

اخبار ذات صلة