مع اقتراب بدء العام الدراسي، تبدو أسواق قطاع غزة على غير عادتها؛ فبدلاً من الازدحام الذي كان يرافق موسم المدارس، تسود حالة من الركود، في ظل ارتفاع أسعار المستلزمات المدرسية وتراجع القدرة الشرائية لدى الأهالي، الذين باتوا يضعون تأمين احتياجات الحياة الأساسية على رأس أولوياتهم.
وتتجول العائلات بين محال القرطاسية والملابس المدرسية بحثاً عن خيارات أقل كلفة، فيما يضطر كثير من الأهالي إلى الاكتفاء بشراء الضروريات وتأجيل أو إلغاء شراء مستلزمات أخرى، وسط مخاوف من عدم قدرتهم على توفير حقيبة مدرسية وقرطاسية كاملة لأطفالهم.
ولم يعد الطفل في غزة يختار حقيبته ودفاتره وأقلامه كما كان يفعل في مواسم المدارس السابقة؛ إذ باتت القدرة المالية للأسرة هي التي تحدد ما يمكن شراؤه وما يجب الاستغناء عنه. ويجد بعض الأطفال أنفسهم أمام حقائب قديمة أو مستعملة، ودفاتر محدودة، وقرطاسية لا تلبي جميع احتياجاتهم، فيما تحاول الأسر تدبير ما تستطيع من خلال إعادة استخدام المستلزمات القديمة أو شراء المستعمل.
وفي سوق شارع عمر المختار، يقف البائع حسين محمد أمام بسطته الخاصة ببيع الملابس والحقائب المدرسية، في ظل حركة تجارية ضعيفة وإقبال محدود من المواطنين، نتيجة التدهور الاقتصادي وارتفاع أسعار السلع بما يفوق قدرة السكان الشرائية.
ويقول لـ"الرسالة" إن المواسم التجارية التي كانت تمثل فرصة حقيقية لتحسين الدخل وتحريك الأسواق فقدت قيمتها خلال الفترة الحالية، مضيفاً: "كل عام كنا ننتظر المواسم ونعدّ الأيام لاستقبالها، أما اليوم فلم تعد المواسم مصدر رزق، فهي تمر كأي أيام عادية بسبب ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين".
ولا تقتصر الأزمة، وفق محمد، على المواطنين، بل تمتد إلى التجار والبائعين الذين يعانون من خسائر متكررة نتيجة التقلبات الحادة في أسعار السلع. ويوضح أن أسعار الملابس شهدت ارتفاعاً كبيراً في بداية الموسم قبل أن تنخفض نسبياً، "لكنها لا تزال أعلى بكثير من أسعارها الطبيعية، وهذا ينعكس على حجم المبيعات الضعيف".
أما الحقائب المدرسية، فيقول إن أسعارها تبلغ نحو ضعف ما كانت عليه قبل الحرب على غزة، وهو ما يحرم مئات الطلبة من شرائها، فيما ينتظر بعض الأهالي مبادرات لتوزيع الحقائب مجاناً، بينما لن يتمكن آخرون من توفيرها لأطفالهم.
بدوره، يقول المحلل في الشأن الاقتصادي الدكتور ماهر الطباع إن اقتصاد قطاع غزة دخل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 في واحدة من أعمق وأسوأ الأزمات الاقتصادية والإنسانية والاجتماعية خلال العقود الأخيرة، بفعل التدمير واسع النطاق للبنية التحتية والمساكن والمنشآت الاقتصادية، وتعطل الإنتاج والتجارة والنقل، وفقدان مئات الآلاف من فرص العمل، إلى جانب النزوح الواسع وانخفاض القدرة الشرائية للسكان وانعدام مصادر الدخل المستدامة.
ويظهر أحدث تقييم للأضرار والاحتياجات في غزة (RDNA)، الذي أعده البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ونُشر في أبريل/نيسان 2026، أن الأضرار المادية المباشرة بلغت نحو 35.2 مليار دولار، فيما بلغت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية نحو 22.7 مليار دولار، في حين تقدر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات.
ويشير الطباع إلى أن سوق العمل تضرر بصورة غير مسبوقة، إذ فقد نحو ثلاثة أرباع السكان العاملين قبل الحرب وظائفهم، فيما بلغت نسبة التشغيل إلى السكان في غزة نحو 9.3% فقط. كما يشير التقييم إلى أن أكثر من 80% من العاملين في غزة لم يتمكنوا من العمل بسبب تدمير أماكن العمل، وإغلاق الطرق، ومشكلات النقل، وانقطاع الكهرباء ونقص الإمدادات.
ويضيف أن هذه المعطيات لا تمثل أزمة بطالة فحسب، بل تعكس أيضاً أزمة في الدخل والاستهلاك والطلب المحلي، موضحاً أن تقييم اقتصاد غزة لا ينبغي أن يقتصر على الناتج الإجمالي ومعدلات البطالة، وإنما يجب أن يشمل قدرة المواطن على شراء السلع والخدمات.
ويقول إن الارتفاعات الكبيرة في أسعار الغذاء والطاقة والسلع الأساسية، بالتزامن مع فقدان مصادر الدخل، أدت إلى تراجع حاد في القوة الشرائية للأسر، وهو ما يفسر جانباً من حالة الركود التي تشهدها الأسواق، حتى في المواسم التي كانت تعد تقليدياً من أكثر الفترات نشاطاً تجارياً، ومنها موسم العودة إلى المدارس.
وبينما يفترض أن يكون موسم المدارس مناسبة تحمل معها فرحة جديدة للأطفال، تحولت هذه المناسبة بالنسبة إلى كثير من الأسر إلى عبء إضافي، في وقت تكافح فيه لتوفير الغذاء والماء والاحتياجات الأساسية. وفي الأسواق، لا يعكس ضعف الإقبال تراجعاً في الرغبة بالشراء بقدر ما يكشف عن اتساع الفجوة بين احتياجات الأسر وقدرتها على توفيرها، حتى عندما يتعلق الأمر بمستلزمات أساسية لبدء عام دراسي جديد.
مع حلول المدارس.. غلاء الأسعار يحرم أطفال غزة من القرطاسية والحقائب
الرسالة نت - خاص