مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

سيناريو التأجيل وفرض المجاميع.. حين تبدأ معركة الشرعية من شكل التمثيل

الرسالة نت - خاص


تتصدر الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل المشهد السياسي مجددًا، وسط استمرار الإجراءات التحضيرية من جهة، وتنامي الشكوك بشأن إمكانية إجرائها في موعدها المحدد من جهة أخرى، في ظل تعقيدات سياسية وميدانية واستحقاقات داخلية لم تُحسم بصورة نهائية.

وتعمل لجنة الانتخابات المركزية على تحديث سجل الناخبين واستكمال الإجراءات التنظيمية والقانونية المرتبطة بالعملية الانتخابية، على أن تتبع الانتخابات التشريعية انتخابات رئاسية خلال عام 2027، وفق ما أُعلن سابقًا. إلا أن هذه الخطوات لم تبدد المخاوف الشعبية من احتمال تأجيل الانتخابات، خصوصًا في ضوء تجربة عام 2021، عندما قرر رئيس السلطة محمود عباس تأجيل الانتخابات برمتها بعد وصولها إلى مراحل متقدمة.

وتشير نتائج استطلاع رأي أجراه مركز القدس للإعلام والاتصال، بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية، خلال شهر آب/أغسطس الماضي، إلى اتساع دائرة الشكوك بشأن إجراء الانتخابات في موعدها. إذ توقع 28.8% فقط من المستطلعين إجراء الانتخابات التشريعية في الموعد المحدد، مقابل 35.5% توقعوا تأجيلها، فيما رجح 22.4% عدم إجرائها، بينما لم يحدد 13.3% موقفًا واضحًا.

وبذلك، فإن نسبة الذين لا يتوقعون إجراء الانتخابات في موعدها المحدد بلغت 57.9%، وهي نسبة تعكس مستوى القلق الشعبي بشأن مصير الاستحقاق المقبل.
تجربة 2021 تثقل انتخابات 2026

وبحسب الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري فإن حالة الحذر الحالية ترتبط بصورة كبيرة بتجربة انتخابات عام 2021، حين وصلت العملية الانتخابية إلى مراحل متقدمة وشُكلت عشرات القوائم، قبل صدور قرار تأجيل الانتخابات في نيسان/أبريل من ذلك العام، بحجة عدم سماح الاحتلال إجراء الانتخابات في القدس المحتلة.
وأكد أن المؤسسات التشريعية والرئاسية بقيت خارج دائرة التجديد الانتخابي، الأمر الذي جعل عودة الحديث عن الانتخابات في عام 2026 تواجه جمهورًا أقل استعدادًا لمنح ثقته السياسية دون ضمانات واضحة باستكمال العملية.

واعتبر أن زيادة حالة الإحباط وانعدام الثقة مرتبطة بالظروف الصعبة التي تعيشها الأراضي الفلسطينية، سواء في قطاع غزة، أو الضفة الغربية والقدس، حيث تشكل الأوضاع الميدانية والقيود التي يفرضها الاحتلال تحديات مباشرة أمام تنظيم انتخابات شاملة.
الواقع الميداني واحتمالات التأجيل

وتابع أنه من الناحية العملية، تبرز عدة عوامل قد تؤثر في إمكانية إجراء الانتخابات في موعدها، وفي مقدمتها الوضع في قطاع غزة، حيث يطرح استمرار الاحتلال وصعوبة ضمان حرية الحركة وإدخال المواد اللازمة للعملية الانتخابية تحديات أمام تنظيم الاقتراع.
كما تبقى قضية القدس واحدة من الملفات المعقدة، إلى جانب استمرار الاقتحامات والاعتداءات والقيود الإسرائيلية في الضفة الغربية.

وأكد أنه طُرحت حلول انتخابية تسمح بتجاوز بعض العقبات، من بينها التعامل مع الضفة الغربية وقطاع غزة بوصفهما دائرة انتخابية واحدة وفق نظام التمثيل النسبي، بما قد يتيح مشاركة المقدسيين من خلال مراكز اقتراع أخرى. غير أن تطبيق هذه الحلول يبقى مرتبطًا بالظروف السياسية والميدانية ومدى توفر الإرادة لإنجاز الاستحقاق.

أزمة ثقة تتجاوز موعد الانتخابات
لا يقتصر القلق الشعبي على مسألة تأجيل الانتخابات، بل يمتد إلى مدى قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في الواقع السياسي والاقتصادي.

فبحسب استطلاع مركز القدس للإعلام والاتصال، رأى 46.8% من المستطلعين أن الانتخابات يمكن أن تسهم في تحسين الأوضاع الفلسطينية، مقابل 46.4% اعتبروا أنها لن تحدث تأثيرًا ملموسًا أو قد تزيد الأوضاع سوءًا.
كما كشفت النتائج عن ارتفاع مستوى العزوف المحتمل عن المشاركة، إذ قال 40.2% من المستطلعين إنهم لن يصوتوا في الانتخابات، مع ارتفاع النسبة في الضفة الغربية إلى 49.9%، مقابل 25.8% في قطاع غزة.
المشهد ما قبل الانتخابات

سياسيًا، يرى محللون أن قرار تأجيل الانتخابات، في حال اتخاذه، قد يواجه هذه المرة ضغوطًا وانتقادات أكبر مقارنة بالسنوات السابقة.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة إن مساحة المناورة تضيق أمام الرئيس محمود عباس إذا اتجه إلى تأجيل الانتخابات، مشيرًا إلى معطيات متداولة حول موقف أوروبي قد لا يتقبل مبررات جديدة للتأجيل إلا في حال وجود ظروف قاهرة وجدية تحول دون إجراء الانتخابات.

ويرى عفيفة أن أي تأجيل دون مبررات واضحة قد يعيد النقاش حول شرعية المؤسسات الفلسطينية وطبيعة تعامل الأطراف الدولية معها.

في المقابل، يطرح الكاتب والمحلل السياسي المصري سيناريوهات أخرى، من بينها تأجيل الانتخابات إلى العام المقبل، أو اللجوء إلى ترتيبات بديلة تتعلق بتشكيل المجلس الوطني عبر صيغ مختلفة.

ويستند هذا التقدير، وفق طرحه، إلى استمرار التعقيدات في غزة، وعدم وضوح الموقف الإسرائيلي والأميركي من العملية الانتخابية، إلى جانب حالة الانقسام والتنافس داخل القوى السياسية الفلسطينية.

وتشير المعطيات إلى أن الانتخابات المقبلة تمثل اختبارًا مزدوجًا: الأول يتعلق بإمكانية تجاوز العقبات الميدانية والسياسية وإجراء الاقتراع، والثاني يرتبط بقدرة النظام السياسي الفلسطيني على استعادة ثقة الجمهور.
فإجراء الانتخابات في موعدها قد يوفر فرصة لتجديد المؤسسات وإعادة تنشيط الحياة السياسية، لكنه سيبقى مرتبطًا بضمان مشاركة واسعة واحترام نتائج صناديق الاقتراع.
أما تأجيل الانتخابات، فإن تأثيره قد لا يقتصر على تغيير الموعد، بل قد يؤدي إلى مزيد من الإحباط السياسي، خصوصًا في ظل تجربة 2021 وتراجع الثقة بالأحزاب والمؤسسات.

المجاميع الانتخابية وأزمة التمثيل

وبحسب المصري فإن النقاش يتجاوز احتمال تأجيل الانتخابات التشريعية إلى البحث في موعد جديد للاقتراع، ليشمل طرح صيغ بديلة لإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، من بينها ما يُعرف بـ"المجاميع الانتخابية". وهنا لا يتعلق الجدل بالانتخابات بوصفها إجراءً تقنيًا فحسب، بل بآلية إنتاج التمثيل السياسي داخل إحدى أهم مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني.

وتعتمد صيغة المجمّعات الانتخابية على اختيار ممثلين من خلال تجمعات وهيئات محددة، وفق معايير وآليات يجري تحديدها مسبقًا. وهو ما يفتح الباب أمام نقاش سياسي حول الجهات التي تحدد هذه المعايير، ومدى انعكاسها على التوازن الفعلي للقوى السياسية.

لذا فإن حالة الرفض لآلية المجاميع يعود إلى كونه يمنح القوى المهيمنة على المؤسسات القائمة، وفي مقدمتها حركة فتح، قدرة أكبر على التأثير في آلية اختيار أعضاء المجلس الوطني وتركيبته، مقارنة بانتخابات عامة ومباشرة يمكن أن تفرز موازين قوى مختلفة.

ولا يتعلق الجدل، وفق هذه القراءة، بحجم تمثيل حركة بعينها فقط، بل بالسؤال الأوسع: كيف يُنتج التمثيل السياسي، ومن يحدد قواعده؟ فكلما ابتعدت آلية اختيار أعضاء المجلس الوطني عن الاقتراع المباشر، ازدادت أهمية المعايير التي تحكم تشكيل المجمّعات واختيار المشاركين فيها وتوزيع المقاعد بين القوى والفئات المختلفة.
ومن هنا يرتبط النقاش حول المجمّعات الانتخابية مباشرة بأزمة الشرعية. فإذا جرى تشكيل المجلس الوطني عبر آليات لا تحظى بتوافق وطني واسع، أو بدت وكأنها تعيد إنتاج التوازنات السياسية القائمة، فإنه سينتج أزمة جديدة حول تمثيل المجلس للقوى والتحولات الفعلية داخل المجتمع الفلسطيني.
وبذلك، فإن جوهر الخلاف حول المجمّعات الانتخابية لا ينحصر في شكلها الإجرائي فقط  وإنما في طبيعة التمثيل الذي ستنتجه، ومدى استقلاله عن التوازنات المفروضة مسبقًا، وقدرته على منح المجلس الوطني شرعية سياسية وشعبية حقيقية.

بث مباشر