مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

التعليم الفلسطيني على حافة الأمية.. حرب غزة تهدد عقودًا من خفض معدلاتها

الرسالة نت - متابعة

رغم تسجيل فلسطين واحدًا من أدنى معدلات الأمية عالميًا، فإن سنوات متتالية من الأزمات، وصولًا إلى الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تهدد بإعادة فتح ملف الأمية من جديد، بعدما راكم آلاف الطلبة فاقدًا تعليميًا غير مسبوق، ودُمرت مئات المدارس والجامعات، وانقطعت العملية التعليمية لفترات طويلة.

وقال الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، اليوم الثلاثاء، إن معدل الأمية بين الفلسطينيين الذين تبلغ أعمارهم 15 عامًا فأكثر بلغ 2.1% عام 2023، مقابل 19% في دول غرب آسيا وشمال أفريقيا و13% عالميًا خلال العام نفسه.

وحذر الجهاز، بمناسبة اليوم العالمي لمحو الأمية، من مخاطر تراجع هذه المكتسبات في ظل الأزمات المتراكمة التي طالت قطاع التعليم، ولا سيما في قطاع غزة، حيث تعرضت المنظومة التعليمية لدمار واسع منذ بدء الحرب الإسرائيلية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ست سنوات من التعليم غير المنتظم

ويرى الخبير التربوي يوسف أبو راس أن الأزمة التعليمية الفلسطينية لم تبدأ مع الحرب على غزة، بل سبقتها سنوات من الاضطراب المتواصل.

وقال أبو راس إن الطلبة لم ينتظموا بصورة طبيعية في العملية التعليمية خلال السنوات الست الماضية، نتيجة تداعيات جائحة كورونا، وإضرابات المعلمين، وأزمة الرواتب، ثم الحرب على غزة وتصعيد الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية.

وأضاف أن تتابع هذه الأزمات أدى إلى تراكم الفاقد التعليمي عامًا بعد عام، وأضعف القدرة التشغيلية للمنظومة التعليمية، معتبرًا أن قطاع التعليم يعمل حاليًا بما لا يتجاوز 50% من قدرته.

وحذر من أن استمرار هذا الوضع دون تدخل لمعالجة الفاقد التعليمي قد يحول المشكلة المتراكمة إلى أزمة حقيقية، من شأنها التأثير في مستويات التحصيل ورفع معدلات الأمية مستقبلًا.

تراجع كبير في أمية الفلسطينيين

وتظهر بيانات الإحصاء الفلسطيني تحسنًا كبيرًا في معدلات محو الأمية خلال العقود الماضية، خصوصًا بين الأجيال الأصغر سنًا.

ففي الضفة الغربية، بلغ معدل الأمية بين الأفراد الذين تبلغ أعمارهم 15 عامًا فأكثر 2.1% عام 2025، بواقع 1% بين الذكور و3.2% بين الإناث، مقارنة بـ7.3% للذكور و21.1% للإناث عام 1997.

وتكشف البيانات أيضًا ارتباط الأمية بالعمر؛ إذ سجلت الفئة العمرية 65 عامًا فأكثر أعلى معدل بنسبة 17.5% عام 2025، بينما انخفض المعدل إلى 2% بين الفئة العمرية 45 إلى 64 عامًا، و0.9% بين 30 و44 عامًا.

أما الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا، فسجلوا أدنى معدل أمية بنسبة 0.8%، وهو ما يعكس حجم التحسن الذي تحقق في منظومة التعليم الفلسطينية على مدى العقود الماضية.

غزة.. بيانات الأمية غائبة والدمار حاضر

لكن الصورة في قطاع غزة تبدو مختلفة بصورة جذرية، فقد تعذر على الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني جمع بيانات معدلات الأمية للعامين 2024 و2025 بسبب استمرار الحرب الإسرائيلية، في وقت كانت فيه معدلات الأمية قد تراجعت في القطاع من 13.7% عام 1997 إلى 1.9% عام 2023.

وتخشى المؤسسات التعليمية أن تؤدي الحرب إلى تقويض هذا التقدم، بعدما تحولت المدارس والجامعات إلى أهداف للدمار، وتوقفت العملية التعليمية لفترات طويلة، وحُرم مئات آلاف الطلبة من انتظامهم الدراسي.

وبحسب الإحصاء الفلسطيني، دمرت القوات الإسرائيلية أكثر من 179 مدرسة حكومية بالكامل منذ بدء الحرب وحتى الأول من سبتمبر/أيلول 2026، فيما تعرضت أكثر من 105 مدارس تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" للقصف والتخريب.

ولم يتوقف أثر الحرب عند تدمير المباني، إذ أسفرت، وفق بيانات الجهاز، عن استشهاد أكثر من 19,169 طالبًا وطالبة من الملتحقين بالمدارس في قطاع غزة، وإصابة أكثر من 28,571 آخرين.

جامعات مدمرة وطلاب خارج التعليم

وامتد الدمار إلى مؤسسات التعليم العالي، حيث دُمر أكثر من 63 مبنى جامعيًا بالكامل، بينما تجاوز عدد الشهداء من طلبة الجامعات 1,386 طالبًا وطالبة، وأصيب أكثر من 3,082 آخرين منذ بدء العدوان.

وتعني هذه الأرقام أن خسائر التعليم في غزة لا تقتصر على المباني والمنشآت التي يمكن إعادة إعمارها، بل تشمل سنوات دراسية ضائعة، ومناهج لم تُستكمل، وطلابًا فقدوا فرصهم في التعلم، وأجيالًا تواجه خطر الخروج من المسار التعليمي بصورة نهائية.

فاقد تعليمي يهدد جيلًا كاملًا

وبينما نجحت فلسطين على مدار عقود في خفض معدلات الأمية إلى مستويات تعد من الأدنى عالميًا، تهدد الحرب والأزمات المتتالية بإحداث انتكاسة في هذه المسيرة، خصوصًا في قطاع غزة.

فالخطر لا يكمن فقط في ارتفاع عدد الأميين مستقبلًا، بل في اتساع فجوة التعليم نفسها بين جيل حُرم من المدرسة لسنوات وأجيال سبقت الحرب وتمكنت من الانتظام في التعليم.

ومع استمرار تعطّل العملية التعليمية، يصبح التعامل مع آثار الحرب التعليمية أكثر إلحاحًا من مجرد إعادة بناء المدارس؛ إذ يتطلب الأمر خططًا لمعالجة الفاقد التعليمي، وإعادة دمج الطلبة، وتوفير الدعم النفسي والتعليمي لهم، وضمان عودة الأطفال والشباب إلى مسار التعليم.

وبذلك، فإن المعركة من أجل محو الأمية في فلسطين لم تعد مرتبطة فقط بتعليم القراءة والكتابة، بل باتت مرتبطة بالحفاظ على حق جيل كامل في التعلم، ومنع سنوات الحرب من محو مكتسبات تعليمية احتاج الفلسطينيون عقودًا لبنائها.

بث مباشر