تتسع دائرة الجدل الفلسطيني حول آليات إعادة تشكيل المجلس الوطني، مع بدء خطوات اختيار ممثلي الجاليات الفلسطينية في الخارج، وسط اتهامات للسلطة الفلسطينية وحركة فتح بمحاولة فرض مسار أحادي بعيداً عن التوافق الوطني، وتحذيرات من أن تتحول ما تسمى "المجمعات الانتخابية" إلى بديل عن الانتخاب الشعبي المباشر.
وكانت انتخابات ممثلي الجالية الفلسطينية في الكويت أول اختبار عملي لهذه الآلية، لكنها سرعان ما تحولت إلى نقطة خلاف، بعدما رفضتها الجالية ووصفتها بـ"المهزلة الانتخابية"، فيما اعتبرت حركة حماس أنها لا تعبّر عن إرادة الفلسطينيين، وحذّر المؤتمر الشعبي الفلسطيني "14 مليون" من أن اعتمادها قد يقود إلى التعيين والانتقاء المسبق بدلاً من الانتخاب.
وبينما تدافع الجهات القائمة على العملية عن ترتيبات اختيار ممثلي الجاليات، تبرز أسئلة أوسع تتعلق بمن يملك حق تحديد قواعد الانتخاب، وكيفية ضمان تمثيل ملايين الفلسطينيين في الوطن والشتات، وما إذا كانت إعادة تشكيل المجلس الوطني ستتم عبر توافق وطني وانتخابات حقيقية، أم من خلال ترتيبات مسبقة قد تعيد إنتاج الانقسام والاستفراد بالقرار.
ويأتي ذلك في وقت يستعد فيه الفلسطينيون لإعادة تشكيل مجلس وطني من 350 عضواً، في خطوة يفترض أن تعيد ترتيب واحدة من أهم مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وتحدد في الوقت ذاته شكل المرجعية السياسية الفلسطينية في المرحلة المقبلة.
قال الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر إن الحديث عن محاولات السلطة الفلسطينية وحركة فتح استباق الانتخابات والبدء بتشكيل المجلس الوطني دون توافق وطني، يعكس استمرار النهج ذاته الذي تتبعه حركة فتح منذ سنوات، والقائم على الاستفراد بالقرار.
وأوضح أبو قمر أن الحديث عن عقد تجمعات انتخابية لاختيار ممثلي الجاليات الفلسطينية في بعض الدول، ومنها الكويت، يثير تساؤلات جدية في ظل غياب شروط وآليات واضحة للعملية الانتخابية، بدءاً من تحديد حجم الجالية وعدد ممثليها، ومن يحق له الانتخاب، وكيفية حصر الناخبين، وما إذا كان المعيار هو حمل الهوية الفلسطينية أو بلوغ سن الثامنة عشرة.
وأضاف أن هذه التفاصيل لا تزال غائبة، في وقت تمضي فيه حركة فتح منفردة في وضع المعايير الخاصة بها، عبر تجمعات تصفها بأنها انتخابية، وتختار من خلالها من تريد وتفرض الأسماء التي يتم اختيارها من طرفها، بما يجعل هذه التشكيلات، وفق تقديره، من لون سياسي واحد ومن يدور في فلك الحركة، ثم يجري فرضها كأعضاء في المجلس الوطني.
وأكد أبو قمر أن هذه المؤشرات "غير مبشرة"، خصوصاً أن هناك مطالب فلسطينية قوية منذ سنوات بضرورة اختيار وانتخاب المجلس الوطني على أسس توافقية وديمقراطية.
اعتراضات على "المجمعات الانتخابية"
وفي السياق، رفض المؤتمر الشعبي الفلسطيني «14 مليون» اعتماد ما يسمى «المجمعات الانتخابية» لاختيار أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، محذراً من أن هذه الآلية قد تؤدي إلى استبدال الانتخاب الشعبي المباشر بالتعيين أو الانتقاء المسبق والتمثيل غير المباشر.
وقال المؤتمر، في بيان، إن التحركات الجارية في عدد من دول الشتات لاعتماد هذه الآليات تثير "الاهتمام والقلق"، مؤكداً أن شرعية التمثيل الوطني تستند إلى الإرادة الحرة للشعب الفلسطيني، ولا يجوز أن تتحول إلى امتياز تمنحه الفصائل أو الهيئات أو الأفراد.
وشدد على أن فلسطينيي الشتات جزء أصيل من الشعب الفلسطيني، ويتمتعون بحق كامل ومتساوٍ في المشاركة السياسية وانتخاب ممثليهم والترشح لعضوية الهيئات الوطنية، وفق قواعد قانونية واضحة وعادلة وموحدة.
وأكد المؤتمر رفضه استخدام "المجمعات الانتخابية" بديلاً عن الانتخاب المباشر لاختيار أعضاء المجلس الوطني، أو اعتمادها كآلية تؤدي عملياً إلى التعيين أو الانتقاء المسبق.
كما رفض فرض أي شروط للترشح من شأنها تقييد حق الفلسطينيين في الترشح أو استبعاد مرشحين على أسس سياسية أو تنظيمية أو فئوية، ما لم تكن هذه القواعد نتاج توافق وطني وتطبق بصورة متساوية على جميع المرشحين.
ورفض كذلك منح الشرعية لأي ترتيبات تقوم على التفاهمات الفصائلية أو اختيار هيئات لا تستند إلى الانتخاب، مؤكداً أن هذه التفاهمات لا تجعل تلك الهيئات بديلاً عن الإرادة الشعبية ولا تمنحها، بذاتها، شرعية التمثيل.
وطالب المؤتمر بإجراء انتخابات فلسطينية عامة وحرة ونزيهة للمجلس الوطني، يكون الانتخاب الشعبي المباشر فيها هو الأصل في الوطن وتجمعات الشتات، مع اعتماد آليات ديمقراطية حقيقية في المناطق التي تحول ظروفها القانونية أو السياسية دون إجراء الاقتراع المباشر، على ألا تتحول هذه الظروف إلى مدخل للتعيين أو الانتقاء أو المحاصصة.
ودعا إلى وضع إطار وطني وقانوني موحد لتنظيم انتخابات المجلس الوطني، يحدد بوضوح شروط الانتخاب والترشح وآليات التسجيل والاقتراع والفرز والطعن، بما يضمن المساواة وتكافؤ الفرص واحترام إرادة الناخبين.
وأكد المؤتمر أن استعادة منظمة التحرير الفلسطينية قوتها وشرعيتها لا تكون عبر توسيع دائرة التعيين، وإنما بإعادة القرار إلى الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، مشدداً على أن "لا أحد يملك حق اختيار ممثلي الفلسطينيين نيابة عنهم".
"مهزلة انتخابية"
وتصاعدت الاعتراضات مع رفض الجالية الفلسطينية في الكويت ما جرى تحت مسمى انتخابات ممثليها في المجلس الوطني الفلسطيني الجديد، ووصفت العملية بأنها "مهزلة انتخابية" وإجراء شكلي لا يمثل انتخابات ديمقراطية حقيقية، جرى عبر ما يسمى بـ"المجمع الانتخابي"، بعيداً عن المشاركة المباشرة والواسعة لأبناء الجالية.
وقالت الجالية، في بيان صدر الاثنين 7 أيلول/سبتمبر، إنها تابعت مجريات انتخاب ممثلي الفلسطينيين في الكويت، مؤكدة أن اختزال إرادة آلاف الفلسطينيين في مجموعة محدودة تختار بدورها ممثلين عنهم، ثم تقديم ذلك باعتباره "عرساً ديمقراطياً"، يمثل استخفافاً بحق الجالية في اختيار ممثليها، و"مهزلة لا يمكن القبول بها".
وطالبت بالكشف عن آلية اختيار أعضاء المجمع الانتخابي والمعايير التي جرى على أساسها تشكيله، إلى جانب إعلان أعداد المشاركين وتفاصيل عملية التصويت، مؤكدة رفضها أن تتحول عملية تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني إلى "إجراءات انتقائية" تجري بعيداً عن التوافق الوطني والمشاركة الشعبية.
وشددت على أن تمثيل الفلسطينيين "حق أصيل لا يجوز مصادرته أو اختزاله بإجراءات شكلية"، معتبرة أن أي مجلس وطني لا يستمد شرعيته من إرادة الفلسطينيين ومشاركتهم الحقيقية "يفقد جوهره الوطني".
الآلية لا تعبّر عن إرادة الجالية
من جهتها، انتقدت حركة حماس آلية انتخاب ممثلي الجالية الفلسطينية في الكويت، معتبرة أنها لا تعبّر عن إرادة أبناء الجالية، ومحذرة من أن اعتمادها قد يقود إلى تشكيل مجلس وطني "من لون واحد".
وقال الناطق باسم الحركة حازم قاسم إن ما وصفه بـ"التلاعب" في انتخابات الجاليات، كما جرى في الكويت، يشير إلى سعي قيادة السلطة الفلسطينية وقيادات في حركة فتح، وفق تعبيره، إلى تشكيل مجلس وطني عبر التعيين بدلاً من الانتخابات، محذراً من استمرار سياسة "التفرد والإقصاء".
ودعا قاسم مختلف المكونات الوطنية والشعبية إلى التمسك بحقها في اختيار ممثليها، بما يفضي إلى مجلس منتخب ومؤسسات تستند إلى شرعية الإرادة الشعبية.
وأوضح أن أبناء الجالية لم يُمنحوا حق انتخاب ممثليهم بصورة مباشرة، وإنما جرى تشكيل مجمع انتخابي مسبقاً تولى اختيار عضوين من بين أعضائه، معتبراً أن هذه الآلية أقرب إلى "التعيين غير المباشر" منها إلى الانتخابات الشعبية.
وأكد أن اعتراض الحركة لا يتعلق بالشخصين اللذين أُعلن فوزهما، وإنما بآلية الاختيار، محذراً من تحويل المجامع الانتخابية إلى وسيلة للتحكم المسبق في نتائج انتخابات المجلس الوطني.
أول اختبار لآلية التمثيل
وجاءت الانتخابات بعد قرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، في 19 تموز/يوليو 2025، عقد انتخابات جديدة للمجلس الوطني الفلسطيني، حيث جرى الأحد انتخاب أول عضوين ممثلين للجالية الفلسطينية في الكويت لعضوية المجلس الوطني الجديد في الخارج، في أول عملية انتخاب من هذا النوع.
وأسفرت الانتخابات عن فوز هشام إبراهيم وصالح قنام بعضوية المجلس ممثلين عن الجالية الفلسطينية في الكويت، بعد حصولهما على أعلى الأصوات بين تسعة مرشحين.
وجرت عملية التصويت في مقر سفارة "دولة فلسطين" لدى الكويت، خلال اجتماع عقدته لجنة المتابعة لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في الكويت، وضمت عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ياسر عباس، وعضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد عساف، إلى جانب ممثلين عن الجالية الفلسطينية، وبحضور السفير الفلسطيني لدى الكويت رامي طهبوب.
وأشار أبو قمر إلى أن الرئيس محمود عباس حدد بداية شهر نوفمبر/تشرين الثاني موعداً لانتخاب أعضاء المجلس الوطني، الذي يضم 350 عضواً، بينهم 200 من داخل الأراضي الفلسطينية، في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة، و150 عضواً من الخارج.
وتابع أن آلية اختيار الأعضاء الـ150 من الخارج يفترض أن تقوم على أساس التوافق الوطني، إلا أن عباس، بحسب أبو قمر، يرفض دعوة الإطار القيادي الموحد، الذي يشكل في الأساس مرجعية للتوافق الفلسطيني بشأن مختلف الملفات، إلى جانب رفضه العمل من خلال هذا الإطار.
ورأى أن المضي بهذه الآلية يؤكد أن النهج الذي تتبعه السلطة الفلسطينية لا يزال واحداً، وأنها تحاول التحكم بمختلف تفاصيل تشكيل المجلس الوطني.
وأوضح أبو قمر أنه إذا افترضنا أن الانتخابات التشريعية أفرزت 132 عضواً، باعتبارهم أعضاءً في المجلس الوطني تلقائياً، ولم تحقق حركة فتح والسلطة الفلسطينية الأغلبية التي يريدها الرئيس عباس، فإن الخطوات الحالية تتيح، وفق تقديره، ضمان 150 عضواً من المحسوبين على حركة فتح والسلطة من الخارج.
وأضاف أن ذلك قد يتعزز أيضاً بتعيين الرئيس نحو 68 عضواً من داخل الأراضي الفلسطينية، بما يضمن، وفق هذا السيناريو، تشكيل أغلبية موالية له داخل المجلس الوطني.
وقال إن ذلك يعني عملياً الاستحواذ على المجلس الوطني، باعتباره المرجعية العليا للشعب الفلسطيني، من دون تحقيق توافق فلسطيني حقيقي، بما يعيد إنتاج حالة الانقسام والاستفراد بالقرار.
وحذر أبو قمر من خطورة هذا المسار، سواء من ناحية تكريس التفرد، أو غياب رؤية فلسطينية موحدة، أو عدم البحث عن حلول سياسية تخرج الفلسطينيين من مأزقهم الراهن.
وختم بالقول إن هذا الواقع يحتاج إلى حوارات فلسطينية داخلية جادة للبحث في كيفية وقف هذا المسار، "لأنه منذ بدايته يبدو أنه يتجه في اتجاه واحد".
ويضع الجدل المتصاعد حول آلية اختيار ممثلي الشتات، ولا سيما ما جرى في الكويت، مسألة إعادة تشكيل المجلس الوطني أمام اختبار مبكر: هل تكون هذه العملية مدخلاً لإعادة بناء منظمة التحرير على أساس المشاركة الشعبية والتوافق الوطني، أم مساراً جديداً لإعادة إنتاج التمثيل وفق ترتيبات مسبقة؟