ينظر محمد إلى أحمد الجالس إلى جواره.. يتأمله بعينين أنهكهما القصف، وكأن ذاكرته تحاول أن تجمع ما تبعثر منها. يمد أحمد يده بين الحين والآخر، يمسح على رأسه، يتفقده، يطمئن عليه.. ليس في المكان سواهما. محمد طفل سوري فرّ مع عائلته من حرب سوريا، وبعد سنوات من الخوف والتنقل والفرار من مكان إلى آخر، انتهت بهم الرحلة إلى غزة بحثاً عن الأمان.
التقى أحمد غبون بوالدة محمد في تركيا، حين كان ذاهباً إلى هناك للعلاج. تزوجها، ثم اصطحبها مع ابنها محمد وابنتها همسه إلى قطاع غزة، حيث قرروا أن يبدأوا حياة جديدة، بعيداً عن الحرب التي طاردتهم في سوريا. لم يكن أحمد والد محمد البيولوجي، لكنه أصبح أباه بكل ما تعنيه الكلمة. ربّاه مع أبنائه من زوجته السابقة، عاشوا معاً، كبروا معاً، ولم يكن محمد يعرف أباً غيره. كان أحمد أباه، وكانت العائلة بيتَه، ولم يكن الطفل بحاجة إلى أن يعرف شيئاً عن صلة الدم.. فالأبوة أفعال، لا أسماء.
استقروا في غزة، وعاشوا كما يعيش أهلها، حتى جاءت الحرب. جاءت الإبادة لتقتل كل شيء. لم تترك لهم بيتاً آمناً، ولا عائلة مكتملة، ولا حياة تشبه تلك التي حاولوا بناءها بعد سنوات من الهروب. فقد أحمد 25 شخصاً من أفراد عائلته خلال حرب الإبادة، بينهم أبناؤه، وزوجته السابقة، وزوجته السورية والدة محمد، وابنتها.
خمسة وعشرون شخصاً رحلوا دفعة واحدة من حياة رجل، ولم يبقَ له إلا محمد. لكن محمد نفسه لم ينجُ من الحرب دون ثمن. أصيب في رأسه إصابة بالغة جراء القصف، وأصبح يعاني من فقدان جزئي للذاكرة، كما تأثر سمعه نتيجة الإصابة. طفل فقد عائلته، وفقد جزءاً من ذاكرته معها. قد لا يتذكر كل الوجوه، وقد تضيع منه تفاصيل الأيام التي عاشها معهم، لكن أحمد يتذكر. يتذكر الجميع. يتذكر أبناءه الذين رحلوا، وزوجته السابقة، وزوجته السورية، أم محمد، وابنتها، وكل أولئك الذين كانوا بالأمس عائلة كاملة، وأصبحوا اليوم غائبين لا يملك منهم إلا الصور والذكريات.
أما محمد، فينظر إلى الرجل الذي بقي معه. وأحمد يمسح على رأسه. كأن كل ما بقي من تلك العائلة اختصر في هذه اللمسة. أحمد فقد 25 من أفراد عائلته، ومحمد فقد أمه وأخته ومن حولهما، ولم يبقَ لكل واحد منهما إلا الآخر. رجل لم يبقَ له من عائلته إلا طفل. وطفل لم يبقَ له من عائلته إلا رجل لم يكن أباه بالدم، لكنه كان أباه في كل شيء.
هربوا من موت سوريا .. فحصدتهم آلة القتل (الإسرائيلية) في غزة
الرسالة نت - متابعة