بعد ثلاثة أعوام من الحرب على غزة، لم تعد عزلة (إسرائيل) تقتصر على بيانات الإدانة أو المواقف السياسية.
اتسعت الدائرة.
من الشوارع والجامعات إلى المسارح والمهرجانات، ومن حملات المقاطعة الاقتصادية إلى سحب الاستثمارات، ومن قرارات دولية غير مسبوقة إلى فنانين ورياضيين وأكاديميين يرفضون التطبيع مع دولة تتسع حولها دائرة الاتهامات بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية.
«الفردة الواحدة» التي أطلقتها «أديداس»، وتتيح لمن يحتاجون إلى حذاء واحد فقط شراء فردة واحدة بدلاً من زوج كامل.
وظهرت في الحملة نماذج من الرياضيين مبتوري الأطراف، بينهم الجندي (الإسرائيلي) السابق شاليف بيتون، الذي فقد ساقه عام 2021.
المشكلة كانت في الرجل الذي حملته «أديداس» إلى واجهة إعلانها، وفي القصة التي أرادت الشركة أن تبيعها للعالم من خلال جسد مبتور.
بينما كانت غزة تمتلئ بالأجساد التي مزقها القصف، اختارت الشركة أن تقدم جندياً (إسرائيلياً) سابقاً مبتور الساق باعتباره نموذجاً إنسانياً للتغلب على الإعاقة والعودة إلى الرياضة.
هنا بدأ الغضب.
الرجل هو شاليف بيتون، جندي (إسرائيلي) سابق خدم في لواء «ناحال». فقد ساقه عام 2021 في حرب شنها الاحتلال على قطاع غزة في ذلك العام بعد إصابته بصاروخ مضاد للدبابات أُطلق من قطاع غزة، أثناء وجوده في مركبة عسكرية قرب الحدود.
لكن الصورة التي قدمتها «أديداس» لم تتوقف عند حقيقة أنه جندي سابق.
فقد ظهر بيتون في حملة للترويج لخدمة «الحذاء الفردي»، التي تتيح لمن يحتاج إلى حذاء واحد شراء فردة واحدة بدلاً من زوج كامل.
وبالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين، كانت المفارقة قاسية:
جندي (إسرائيلي) يظهر في إعلان تجاري باعتباره قصة إنسانية عن البتر، بينما آلاف الفلسطينيين في غزة يعيشون البتر نفسه، لكن بعدما قصفتهم (إسرائيل).
لم يكن السؤال: لماذا يظهر شخص مبتور الساق في إعلان؟
بل:
لماذا يُنتزع البتر من سياقه السياسي والإنساني عندما يكون صاحبه جندياً (إسرائيلياً)، ثم يُحوّل إلى قصة ملهمة لبيع سلعة، بينما يُترك بتر الفلسطينيين خارج الصورة؟
سرعان ما التقط ناشطون فلسطينيون وداعمون لفلسطين الإعلان وبدأوا في إعادة نشره على نطاق واسع.
كانت من بين الحسابات التي ساهمت في إشعال الحملة صفحة «عين على فلسطين»، إلى جانب ناشطين دعوا إلى مقاطعة «أديداس».
ثم اتسعت الدائرة.
دخل الممثل الإسباني خافيير بارديم على خط الحملة، ونشر دعوات لمقاطعة الشركة، لتخرج القضية من نطاق الناشطين الفلسطينيين إلى جمهور أوسع، وتتحول صورة الإعلان إلى مادة لاحتجاج عالمي.
لم تعد الحكاية عن خدمة تجارية؛ أصبحت عن محاولة تحويل جسد مبتور إلى صورة تسويقية، وعن اختيار جندي (إسرائيلي) شارك في القتل ليكون وجه هذه القصة في وقت كانت فيه غزة تعيش واحدة من أكثر موجات البتر الجماعي قسوة في تاريخها الحديث.
وكانت الصور القادمة من غزة كفيلة بتغيير معنى الإعلان كله.
هناك، لم يكن البتر نتيجة حادث عابر في حياة إنسان.
كان نتيجة قصف؛ طفل يفقد ساقه؛ شاب يستيقظ ليكتشف أن أحد أطرافه لم يعد موجوداً؛ ومصاب يتعلم كيف يبدأ حياته من جديد وسط مستشفيات منهكة وحصار ونقص في الأطراف الصناعية وإمكانيات التأهيل.
وفي الجهة الأخرى من الشاشة، يظهر جندي (إسرائيلي) سابق مبتور الساق، في حملة لشركة عالمية، محاطاً بلغة الرياضة والتحدي والعودة إلى الحياة.
لهذا لم يرَ المحتجون الإعلان كقصة إنسانية محايدة.
رأوا فيه تجميلًا لصورة جندي (إسرائيلي) وإخفاءً للسياق الذي جاءت منه قصته، في الوقت الذي يُمحى فيه سياق الضحايا الفلسطينيين من المشهد.
تصاعدت الدعوات إلى المقاطعة، وتداول المستخدمون صور الحملة، وبدأت الوسوم المرتبطة بمقاطعة «أديداس» بالانتشار.
وبينما كانت الحملة تكبر، حذف بيتون الفيديو الذي نشره على حسابه، وتحدث عن تعرضه لموجة كبيرة من الكراهية والبلاغات.
لكن حذف الفيديو لم ينهِ الأزمة.
فالضجة كانت قد تجاوزت صاحب الإعلان نفسه ووصلت إلى «أديداس».
الشركة حاولت توضيح موقفها، وقالت إن الحملة مبادرة محلية في (إسرائيل) وليست حملة عالمية، وإن بيتون كان واحداً من عدة رياضيين من ذوي الإعاقة ظهروا في المواد الترويجية.
لكن التوضيح لم يطفئ الغضب.
فالمشكلة بالنسبة إلى المنتقدين لم تكن أن بيتون مبتور الساق، ولا أن الشركة تقدم خدمة لمن يحتاج إلى فردة واحدة.
المشكلة كانت اختيار جندي (إسرائيلي) سابق ليظهر في قالب إنساني تجاري، وفصل قصته عن السياق العسكري والسياسي الذي أحاط بها، في وقت يعيش فيه الفلسطينيون الذين فقدوا أطرافهم تحت القصف (الإسرائيلي) واقعاً مختلفاً تماماً.
وبعد تصاعد الدعوات إلى المقاطعة، تراجعت «أديداس».
حذفت المواد الإعلانية المثيرة للجدل، ثم قدمت اعتذاراً، وقالت إنها تدرك أن الصورة المستخدمة في الحملة المحلية أثارت مخاوف وردود فعل قوية، وإنها لم تقصد الإساءة.
لكن بالنسبة إلى دعاة المقاطعة، كان الاعتذار نفسه دليلاً على أن الضغط الشعبي يمكن أن يصل إلى واحدة من أكبر العلامات التجارية في العالم.
فالمقاطعة الفلسطينية لم تعد مجرد دعوة إلى عدم شراء منتج.
على مدار السنوات الماضية، تحولت إلى أداة ضغط عالمية دفعت شركات ومؤسسات إلى مراجعة علاقاتها بـ(إسرائيل)، وأجبرت أخرى على مواجهة حملات احتجاج ومقاطعة بسبب مواقفها أو ارتباطاتها.
وامتد الضغط إلى مجالات الاقتصاد والثقافة والجامعات والرياضة، حتى أصبحت بعض الشركات والمؤسسات مضطرة إلى التفكير في الكلفة السياسية والأخلاقية لصورتها وعلاقاتها.
قد لا تنتهي كل حملة بانسحاب شركة، وقد لا تحقق المقاطعة في كل مرة النتيجة التي يريدها أصحابها.
لكن الإنجاز الأكبر كان في مكان آخر:
أن يصبح الانحياز للاحتلال مكلفاً.
أن تعرف الشركات أن صورتها ليست ملكاً لها وحدها.
وأن يدرك الجمهور أن قرار الشراء يمكن أن يتحول إلى موقف.
ولهذا فإن قصة «أديداس» ليست قصة إعلان حُذف وانتهى.
إنها قصة صورة حاولت أن تقول شيئاً، فردّ عليها الناس بصورة أخرى.
صورة جندي مبتور الساق في إعلان. وفي مقابلها صور أطفال غزة مبتورو الأطراف.
وبين الصورتين، ظهر السؤال الذي أشعل الحملة:
حين يتحول البتر إلى وسيلة لبيع حذاء، من يملك حق رواية الجسد الذي بُتر؟