قائمة الموقع

إرهاب المستوطنين يمهد لواقع جديد في الضفة الغربية

2026-09-07T13:14:00+03:00
الرسالة نت- خاص

استشهد فلسطيني وأصيب ثلاثة آخرون، مساء الأحد، في هجومين لمستوطنين إسرائيليين بمحافظتي قلقيلية والقدس، في أحدث حلقة من موجة متصاعدة من اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.

وفي قرية حجة شرق قلقيلية، أطلق مستوطنون النار خلال هجوم على الفلسطينيين، ما أدى إلى إصابة ثلاثة، بينهم الشاب عمر الطوباس الذي أصيب برصاصة في الرأس قبل أن يعلن مستشفى درويش نزال الحكومي استشهاده متأثرا بجروحه. وأفادت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بإصابة آخر في الصدر، وفتى يبلغ 17 عاما في الفخذ.

ولا يأتي هذا الهجوم منفصلا عن سياق أوسع تشهده الضفة الغربية منذ سنوات، وتصاعد بصورة حادة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023. فإلى جانب اعتداءات المستوطنين، تنفذ القوات الإسرائيلية اقتحامات متكررة للمدن والبلدات والمخيمات، وتنفذ عمليات تفتيش واعتقال وهدم وإغلاق للطرق، فيما تتسع القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين ووصولهم إلى أراضيهم.

واقع جغرافي جديد

وتشير الوقائع المتراكمة إلى أن ما يجري في الضفة لا يمكن اختزاله في حوادث عنف فردية وإنما يرتبط بصراع أوسع على الأرض والوجود. فالعنف، إلى جانب التوسع الاستيطاني والقيود العسكرية ومصادرة الأراضي، يضغط على الفلسطينيين ويدفع بعض التجمعات إلى الرحيل، بينما تُقام بؤر استيطانية جديدة على الأراضي التي تصبح خالية أو يصعب على أصحابها الوصول إليها. وبهذا المعنى، يصبح الاعتداء وسيلة لفرض واقع جغرافي جديد وليس مجرد فعل منفصل عن المشروع الاستيطاني.

وتكشف أرقام النصف الأول من عام 2026 حجم التصعيد، ووفق تقرير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، نفذ المستوطنون 3488 اعتداء خلال الأشهر الستة الأولى من العام، أسفرت عن استشهاد 17 فلسطينيا وألحقت أضرارا بـ26 تجمعا بدويا ورعويا، أدت إلى تهجير 18 تجمعا بصورة كاملة وثمانية بصورة جزئية. كما أقيمت 42 بؤرة استيطانية جديدة خلال الفترة نفسها، غالبيتها بؤر رعوية.

ولا تقتصر الاعتداءات على إطلاق النار أو الضرب، فقد وثقت الأمم المتحدة خلال 2026 إحراق منازل ومركبات وأراضي زراعية وتدمير منشآت زراعية ومائية والاعتداء على المزارعين وسرقة أو تدمير ممتلكات، إضافة إلى مهاجمة مساجد وقطع طرق والوصول إلى مصادر المياه.

وبحلول يونيو الماضي، كانت الأمم المتحدة قد وثقت أكثر من ألف هجوم للمستوطنين تسبب في إصابات أو أضرار مادية في أكثر من 230 تجمعا فلسطينيا، بمتوسط يقارب ستة اعتداءات يوميا.

ويكتسب استهداف الأراضي الزراعية أهمية خاصة، لأن السيطرة على الأرض لا تعني فقط تغيير ملكيتها وإنما ضرب مصدر رزق الأسر الفلسطينية، عبر إحراق المحاصيل واقتلاع الأشجار ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم ومهاجمة قطعان الماشية والمنشآت الزراعية كلها أدوات تضغط على قدرة السكان على البقاء في مناطقهم.

الاستيطان كأداة

وتظهر البؤر الاستيطانية الجديدة كجزء أساسي من هذا المشهد، فالبؤرة لا تحتاج في بدايتها إلى مساحة واسعة كي تغير الواقع المحيط بها، وجودها قد يؤدي إلى إغلاق طرق زراعية وتقييد الرعي ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم ثم توسيع نطاق السيطرة تدريجيا.

وبحسب البيانات الفلسطينية، أقام المستوطنون خلال النصف الأول من 2026، 42 بؤرة جديدة، بينها أربع بؤر في مناطق مصنفة "ب" وفق اتفاق أوسلو، وهي مناطق يفترض أن تكون تحت إدارة مدنية فلسطينية مع بقاء المسؤولية الأمنية لإسرائيل.

وتقول مصادر فلسطينية إن هذا التوسع يشير إلى انتقال النشاط الاستيطاني إلى مناطق كانت أقل تعرضا سابقا لهذا النوع من التوسع.

وتزداد خطورة هذا المسار عندما يترافق الاستيطان مع عنف ميداني وغياب المساءلة. وفي تقرير صدر في أغسطس/ آب، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن هجمات المستوطنين أصبحت تدفع مزيدا من التجمعات الفلسطينية نحو التهجير وإن المستوطنين المسؤولين عن أعمال العنف يحصلون على دعم مادي وقانوني من الدولة، بينما تقع بعض الهجمات بالتزامن مع وجود القوات الإسرائيلية أو أمامها.

وتظهر التطورات الأخيرة تعقيد العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحركة الاستيطانية، فمن جهة، توجد انتقادات داخل إسرائيل بشأن تصاعد عنف المستوطنين وتأثيره في قدرة الجيش على ضبط الوضع الأمني في الضفة. ومن جهة أخرى، تشير منظمات حقوقية وتقارير دولية إلى حالات شارك فيها مستوطنون وجنود في أحداث ميدانية أو وقعت الاعتداءات في وجود القوات إلى جانب توفير الكيان أسلحة وتمويلا وأشكالا من الحماية للمستوطنين.

وفي أغسطس/آب الماضي، قالت هيومن رايتس ووتش إن السلطات الإسرائيلية أخفقت في ملاحقة عدد كبير من المعتدين وإن هذا الإفلات من العقاب يشجع استمرار العنف. كما أشارت إلى تشكيل وحدات دفاع محلية تضم مستوطنين يحملون صفة عسكرية، وإلى منح مجموعات مدنية في المستوطنات أسلحة وصلاحيات أمنية موسعة.

لكن الصورة ليست خالية من التناقضات، فقد أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سبتمبر/ أيلول بإزالة نحو 100 بؤرة استيطانية غير مرخصة، في خطوة جاءت وسط ضغوط أميركية وانتقادات متزايدة لعنف المستوطنين. وفي الوقت نفسه، يواصل أعضاء في الحكومة، بينهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، دعم توسيع الاستيطان وتعزيز البنية التحتية للمستوطنات.

بدوره، يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي، مهند مصطفى أن الانقسام داخل الجيش يرتبط بتيارين رئيسيين، الأول يرى في المستوطنين شريكا في مشروع تهجير الفلسطينيين وإحلال المستوطنين مكانهم، بينما يقلق تيار آخر على صورة الجيش كمؤسسة مركزية يفترض أن تعمل وفق قواعد وأنظمة وتحافظ على تماسك دولة الكيان.

ويشير مصطفى إلى أن تعبير "الإرهاب اليهودي" لا يعكس بالضرورة تحولا في الموقف تجاه حقوق الفلسطينيين، بقدر ما يعبر عن قلق داخل إسرائيل من تأثير عنف المستوطنين في مؤسسات الدولة ووحدتها.

وتكتسب هذه القراءة أهمية لأنها تفسر جانبا من التوتر بين الاعتبارات الأمنية والسياسية والاستيطانية، فجزء من المؤسسة العسكرية يخشى أن يؤدي انفلات المستوطنين إلى تفجير الوضع في الضفة واستنزاف قوات الجيش، بينما ترى قوى سياسية يمينية في التوسع الاستيطاني وسيلة لترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00