قائمة الموقع

خروقات الاحتلال.. غزة بين المماطلة الإسرائيلية والعجز الأميركي

2026-09-06T19:20:00+03:00
الرسالة نت - خاص


لا تبدو الخروقات الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة مجرد حوادث منفصلة عن مسار التهدئة، بقدر ما تعكس استمراراً في سياسة الاحتلال القائمة على إبقاء القطاع تحت الضغط الأمني والعسكري، بالتوازي مع تعطيل الانتقال إلى المراحل السياسية التالية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وبينما تحاول الأطراف الراعية للتهدئة الإبقاء على اتفاق وقف إطلاق النار قائماً، تتزايد المؤشرات على أن المرحلة الحالية ليست سوى حالة مؤقتة من الهدوء، إذ يواصل الاحتلال فرض وقائع ميدانية جديدة عبر القصف والاغتيالات والتوغلات، بالتزامن مع تعطيل استحقاقات المرحلة التالية. 

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية، د. رائد نعيرات، أن ما يجري في غزة لا يمكن وصفه بـ"الخروقات" بالمعنى التقليدي، باعتبارها جزءاً من استراتيجية إسرائيلية مستمرة، تستند إلى أهداف لم تتغير منذ بداية الحرب.

ويوضح نعيرات في حديثه مع "الرسالة نت"، أن حكومة الاحتلال لا تزال ترفض عدداً من العناصر الأساسية المرتبطة بخطة ترامب، بما فيها الترتيبات الخاصة بالمرحلة المقبلة، وتشكيل اللجنة الوطنية والقوة الدولية، معتبراً أن ذلك يفسر استمرار العمليات العسكرية والاغتيالات رغم الحديث عن وقف الحرب.

ويقول إن "إسرائيل" دخلت عملياً مرحلة جديدة من الحرب، إذ تراجعت وتيرة العمليات وشدتها مقارنة بالمراحل السابقة، لكن ذلك لا يعني انتهاء الحرب فعلياً، في ظل استمرار سقوط الشهداء وتنفيذ الاغتيالات وعدم الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة، إلى جانب عدم السماح ببدء إعادة الإعمار بالشكل المطلوب.

ويضيف أن استمرار سقوط الضحايا بصورة شبه يومية يؤكد أن قطاع غزة لم يدخل مرحلة سلام حقيقية، وإنما انتقل إلى مستوى مختلف من المواجهة، تكون فيه العمليات المحدودة والخروقات وسيلة لإبقاء الضغط قائماً على الفلسطينيين.

ويضع نعيرات هذا المشهد في سياق الانتخابات الإسرائيلية، موضحاً أن التنافس الانتخابي يدفع القوى السياسية إلى المزاودة في ما يتعلق بالملف الفلسطيني، خصوصاً قطاع غزة، باعتباره ملفاً انتخابياً حساساً بالنسبة للناخب الإسرائيلي.

من جهته، يرى المختص في الشأن الإسرائيلي فراس ياغي أن المشهد في غزة أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بالانتخابات الإسرائيلية، التي تمثل بالنسبة لائتلاف رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو "حياة أو موتاً"، الأمر الذي يجعل الحديث عن تنفيذ خطة ترامب أو الانتقال إلى المرحلة الثانية أقرب إلى المماطلة السياسية منه إلى خطوات تنفيذية فعلية.

ويبين ياغي في حديثه مع "الرسالة نت" أن نتنياهو لن يكون مستعداً لتقديم تنازلات أو تنفيذ انسحابات خلال فترة الانتخابات، في ظل ضغط جمهور اليمين الذي يطالبه باستكمال ما يصفه بـ"النصر" في غزة. ولذلك، يتوقع استمرار سياسة العمليات المحدودة والاغتيالات والضربات النوعية، بما يتيح لحكومة الاحتلال الإسرائيلية تقديم إنجازات أمنية لجمهورها.

ولا يستبعد ياغي أن تتخذ "إسرائيل" خطوات أكثر خطورة إذا شعر نتنياهو بأن موقعه الانتخابي مهدد، موضحاً أن أي تصعيد إقليمي واسع قد ينعكس بصورة مباشرة على غزة والضفة الغربية، ويفتح الباب أمام محاولات جديدة للتهجير القسري.

وفي السياق ذاته، يرى ياغي أن القضية تتجاوز الحسابات الانتخابية الآنية، إذ إن فكرة التخلص من الوجود الفلسطيني بين البحر والنهر باتت، جزءاً من عقيدة اليمين الإسرائيلي، ولا سيما اليمين الديني والمتطرف. 

ويعتبر أن ما يجري في غزة من تدمير واسع وأزمة إنسانية يُستغل لتهيئة الظروف أمام التهجير، سواء الداخلي أو الخارجي.

ويشير إلى أن هذه السياسة لا تقتصر على غزة، بل تمتد إلى الضفة الغربية من خلال ما يصفه بالتهجير الداخلي، قبل الانتقال، وفق المخطط الإسرائيلي، إلى محاولات التهجير الخارجي، وهو ما يجعل التصعيد الحالي جزءاً من مشروع سياسي وأمني أوسع.

أما على صعيد الوسطاء، فيرى نعيرات أن قطر وتركيا وغيرهما يمارسون ضغوطاً سياسية، لكن المشكلة الأساسية تكمن في غياب رغبة أميركية حقيقية في ممارسة ضغط حاسم على "إسرائيل"، في انتظار ما ستؤول إليه الانتخابات الإسرائيلية والترتيبات الأميركية اللاحقة في المنطقة.

ويتفق ياغي مع ذلك، معتبراً أن الوسطاء ركزوا بدرجة كبيرة على إقناع حركة حماس والفصائل الفلسطينية بنزع السلاح، بينما لم يصل الضغط على "إسرائيل" إلى مستوى يجبرها على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه. 
ويرى أن الولايات المتحدة تبقى الطرف الوحيد القادر على فرض ضغوط حقيقية على الاحتلال، إلا أن أجندتها الإقليمية، بما فيها الصراع مع إيران ومشروع إعادة ترتيب المنطقة، تجعل الملف الفلسطيني عرضة للتأجيل والمساومة.

وبناءً على ذلك، يرجح ياغي بقاء الوضع في غزة على حاله خلال الفترة المقبلة، مع استمرار العمليات الإسرائيلية المحدودة لأهداف انتخابية، من دون العودة إلى حرب شاملة، ما لم يشعر نتنياهو بأن مستقبله السياسي مهدد. أما في حال ضبط الولايات المتحدة لمسار التصعيد، فمن المرجح أن تبقى غزة في حالة من الهدوء الهش، دون انسحاب إسرائيلي كامل أو انتقال فعلي إلى مرحلة إعادة الإعمار.

وهكذا، تبدو التهدئة في غزة معلقة بين حسابات نتنياهو الانتخابية، ورفض حكومته تنفيذ الترتيبات السياسية، وعجز الوسطاء عن فرض التزامات واضحة، فيما يبقى الفلسطينيون أمام واقع أمني مفتوح على الخروقات والتصعيد، رغم توقف الحرب بصورتها الأكثر شراسة.

اخبار ذات صلة