كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية عن ضغوط أميركية متزايدة على حكومة الاحتلال الإسرائيلي لإخلاء بؤر استيطانية غير مرخصة، ولا سيما تلك المقامة في مناطق مصنفة "ب" بالضفة الغربية المحتلة، بالتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين وتحذيرات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من اتساع دائرة التوتر.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين مطلعين أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وجّه المؤسسة الأمنية إلى تنفيذ عمليات لإخلاء البؤر غير المرخصة، مع تركيز خاص على البؤر المقامة في المناطق "ب"، مشيرة إلى أن هذه الخطوات تأتي تحت ضغط مباشر من الإدارة الأميركية، التي تخشى من أن يؤدي التوسع الاستيطاني في تلك المناطق إلى مزيد من التصعيد.
وبحسب المسؤولين، فإن الموقف الأميركي بات من أبرز مصادر القلق لدى نتنياهو، في ظل مخاوف واشنطن من أن يؤدي استمرار التوسع الاستيطاني إلى تفجر الأوضاع في الضفة الغربية.
وأفادت الصحيفة بوجود تعليمات من مجلس الأمن القومي الإسرائيلي لإخلاء عدد من البؤر، فيما طلب نتنياهو من وزراء حكومته الامتناع عن مهاجمة قادة جيش الاحتلال علنًا، وتوفير الغطاء السياسي لهم خلال تنفيذ عمليات الإخلاء.
إخلاءات مؤقتة وعودة المستوطنين
ووفق التقرير، تقدر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وجود نحو 100 بؤرة استيطانية غير مرخصة في أنحاء الضفة الغربية، بينها نحو 15 إلى 20 بؤرة أقيمت في مناطق مصنفة "أ" و"ب".
وتحظى البؤر المقامة في المنطقة "ب" باهتمام خاص، كونها تقع ضمن مناطق تخضع، وفق ترتيبات أوسلو، للإدارة المدنية الفلسطينية، مع بقاء السيطرة الأمنية للاحتلال الإسرائيلي.
لكن عمليات الإخلاء، بحسب "يديعوت أحرونوت"، لم تنجح في وقف تمدد هذه البؤر؛ إذ نقلت الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين أن مستوطنين يُخرجون من بعض البؤر ثم يعودون إليها في اليوم التالي، بما يحول الإخلاء إلى إجراء مؤقت ومتكرر.
وأشار مسؤول إسرائيلي إلى أن التركيز ينصب حاليًا على البؤر التي وصفها بـ"العنيفة"، والتي قال إنها تستنزف قوات الاحتلال، محذرًا من تصاعد الاحتكاك بين الفلسطينيين الذين يتعرضون لضغوط متزايدة وبين التوسع المتسارع للبؤر الاستيطانية.
اعتداءات متواصلة على الفلسطينيين
ويتزامن ذلك مع استمرار اعتداءات المستوطنين في مختلف مناطق الضفة الغربية، بما يشمل مهاجمة الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم، واقتحام الأراضي الزراعية والاستيلاء على مساحات جديدة، إلى جانب إقامة بؤر استيطانية إضافية.
وتبرز بلدة قصرة جنوب نابلس نموذجًا على تصاعد هذه الاعتداءات، إذ شهدت خلال الفترة الأخيرة هجمات متكررة من المستوطنين، بالتزامن مع إجراءات عسكرية وحصار مشدد فرضته قوات الاحتلال على المنطقة.
وفي إحدى الوقائع الأخيرة، اقتحم مستوطنون المنطقة المحاصرة في قصرة وهاجموا منزلًا قيد الإنشاء، قبل أن تتدخل قوات الاحتلال وتعتقل فلسطينيين، بينما غادر المستوطنون المكان دون توقيف، وفق تقارير فلسطينية.
ويعكس ذلك، وفق الفلسطينيين، معادلة متكررة تقوم على إخلاء بؤرة استيطانية من جهة، وإقامة أخرى أو إعادة المستوطنين إلى البؤرة نفسها من جهة ثانية، في وقت تتواصل فيه مصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني.
مخاوف إسرائيلية من انفجار الضفة
وفي موازاة ذلك، يعزز جيش الاحتلال انتشاره في الضفة الغربية، وسط تقديرات أمنية إسرائيلية بارتفاع مستوى التوتر واحتمال اتساع دائرة المواجهة.
وبحسب "يديعوت أحرونوت"، تستعد قوات الاحتلال لتعزيز انتشارها في الضفة بكتيبتين إضافيتين مع اقتراب الأعياد اليهودية، فيما وضعت قيادة فرقة عسكرية أخرى في حالة تأهب تحسبًا للحاجة إلى نشرها في المنطقة.
كما تتابع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وفق الصحيفة، ارتفاع عدد الإنذارات بشأن هجمات محتملة، وتعمل على إعداد خطط للتعامل مع سيناريو خروج الأوضاع عن السيطرة.
وتأتي هذه المخاوف في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان والاعتداءات على الفلسطينيين، وهي عوامل يرى الفلسطينيون أنها تشكل جوهر التصعيد المتواصل في الضفة الغربية.
الانتخابات الفلسطينية في الحسابات الإسرائيلية
ولا تقتصر الحسابات الإسرائيلية على الجانب الأمني، إذ تراقب أجهزة الاحتلال أيضًا الاستعدادات للانتخابات الفلسطينية المرتقبة.
وبحسب "يديعوت أحرونوت"، أجرت جهات أمنية إسرائيلية تقييمات بشأن الانتخابات وتأثيرها المحتمل على الوضع الميداني، وسط مخاوف إسرائيلية من مشاركة حركة حماس وإمكانية تأثيرها في نتائج الانتخابات.
وتتزامن هذه التطورات مع الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، ما يجعل الضفة الغربية ملفًا حاضرًا بقوة في الحسابات الأمنية والسياسية الإسرائيلية خلال المرحلة المقبلة.
وبينما تتحرك حكومة الاحتلال لإخلاء عدد محدود من البؤر تحت ضغط أميركي، يواصل الاستيطان تمدده على الأرض، فيما يواجه الفلسطينيون اعتداءات المستوطنين والقيود العسكرية ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والمنشآت.
وتشير المعطيات إلى أن الإشكالية لا تتعلق ببؤر محددة فحسب، بل بمنظومة استيطانية أوسع تعيد تشكيل الواقع الجغرافي في الضفة الغربية، وسط مخاوف إسرائيلية متزايدة من أن يقود استمرار هذا المسار إلى انفجار أمني يصعب احتواؤه.