قائمة الموقع

التصعيد يعود إلى غزة.. حسابات نتنياهو تهدد اتفاق التهدئة

2026-09-03T13:16:00+03:00
الرسالة نت - خاص

لم يمضِ وقتاً طويلاً على التهدئة الهشة، حتى عاد قطاع غزة إلى واجهة التصعيد من جديد، مع تكثيف الاحتلال الإسرائيلي غاراته واستهدافاته في مناطق مختلفة من القطاع. وبينما تتواصل الجهود السياسية للحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار، يثير تصاعد الهجمات مخاوف من أن تكون التهدئة دخلت مرحلة أكثر هشاشة، وأن يتحول التصعيد المحدود إلى مواجهة أوسع.

ولا تبدو التطورات الميدانية منفصلة عن المشهد السياسي الإسرائيلي، في ظل اقتراب انتخابات الكنيست، والأزمة التي تواجه حكومة بنيامين نتنياهو، ما يفتح الباب أمام توظيف جبهة غزة مجدداً في الصراع الانتخابي الداخلي.

ويرى المختص في الشأن السياسي عدنان الصباح أن التصعيد الحالي قد يكون مقدمة لتصعيد أعنف، مرتبطاً بالحسابات الانتخابية الإسرائيلية، مشيراً إلى أن "الدم الفلسطيني والأرض الفلسطينية تحولت إلى مادة للمزاودة الانتخابية بين أطراف المعسكر الصهيوني بكل مكوناته، من اليمين إلى اليسار والوسط".

ويقول الصباح لـ "الرسالة نت"، إن المشروع الإسرائيلي في قطاع غزة يتقاطع كذلك مع مصالح أميركية سبق أن أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبراً أن نتنياهو أمام مجموعة من الملفات التي يمكن أن يوظفها في معركته السياسية، أبرزها قطاع غزة والضفة الغربية وإيران، إلى جانب الجبهة اللبنانية وحزب الله.

ويضيف أن نتنياهو، الذي تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع فرصه الانتخابية، يبحث عن إنجاز يستطيع تقديمه لجمهوره، ولذلك قد يجد في التصعيد العسكري وسيلة لتعزيز موقعه السياسي.

ويتفق الخبير في الشؤون الفلسطينية والإسرائيلية من القاهرة إبراهيم الدراوي مع هذا التقدير، قائلاً إن ما تشهده غزة من عودة للتصعيد "يمكن قراءته في سياق المشهد الانتخابي الإسرائيلي"، موضحاً أن الفلسطينيين لطالما دفعوا ثمن توظيف قضيتهم ودمائهم في الانتخابات الإسرائيلية.

ويوضح الدراوي لـ "الرسالة نت"، أن القوى السياسية الإسرائيلية تتنافس على أصوات اليمين المتطرف والتيارات الدينية المتشددة، الأمر الذي يدفعها إلى تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين، معتبراً أن التصعيد الراهن قد يستمر حتى إجراء الانتخابات الإسرائيلية، وبعدها يمكن أن تتغير الحسابات وفقاً للنتائج السياسية.

تهديد اتفاق التهدئة

ولا يقتصر أثر التصعيد على الميدان، إذ يضع كذلك اتفاق وقف إطلاق النار والمفاوضات المرتبطة بخطة ترامب أمام اختبار جديد.

ويحذر الصباح من أن الفلسطينيين ليسوا بعيدين عن تكرار "الخديعة الأولى"، في إشارة إلى الاتفاق والخطة الأصلية التي جرى التوصل إليها، مشيراً إلى أن الاتفاقات السابقة والقرارات الدولية لم تُنفذ بصورة فعلية، وأن أي ترتيبات جديدة يفترض أن تستند إلى ما جرى التوافق عليه سابقاً.

ويرى أن مستقبل التهدئة سيبقى مرتبطاً إلى حد كبير بالتطورات الداخلية في "إسرائيل"، وبالموقف الأميركي، وتحديداً مدى استعداد إدارة ترامب لمنح نتنياهو مساحة للتحرك في قطاع غزة.

ويقول الصباح إن الولايات المتحدة قد تسمح لنتنياهو بمواصلة التصعيد إذا كانت تريد بقاءه في الحكومة، بينما يمكن أن تضغط عليه وتحد من هامش تحركه إذا كانت تتجه إلى إخراجه من المشهد السياسي، معتبراً أن طبيعة الموقف الأميركي ستتضح خلال الأسابيع المقبلة مع اقتراب الانتخابات.

من جهته، يرى الدراوي أن استمرار التصعيد سيؤثر بصورة مباشرة في مسار وقف إطلاق النار والمفاوضات وخطة ترامب المتعلقة بغزة، وقد يخلق احتكاكاً بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية، في ظل علاقة غير مستقرة بين ترامب ونتنياهو.

لكن الدراوي يستبعد أن تتخذ الولايات المتحدة موقفاً حاسماً لصالح الفلسطينيين، قائلاً إن واشنطن لن "تدافع دفاعاً مستميتاً عن فلسطين"، وإن أقصى ما يمكن التعويل عليه هو الضغوط التي تمارسها الدول العربية والوسطاء على الإدارة الأميركية لدفع "إسرائيل" إلى الالتزام بالاتفاق.

اختبار الوسطاء

وفي ظل التصعيد، تتجه الأنظار مجدداً إلى الوسطاء، ولا سيما مصر، التي تواصل تحركاتها السياسية للحفاظ على الاتفاق ومنع انهياره.

ويرى الدراوي أن دور الوسطاء مهم في هذه المرحلة، خصوصاً في ظل الخروقات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن القاهرة تسعى إلى الدفع نحو تنفيذ بنود الاتفاق كما جرى التوافق عليها، والعودة إلى خطة ترامب واتفاق شرم الشيخ وتنفيذ ما جرى توقيعه.

لكن الصباح يبدي تشككاً أكبر في قدرة الوسطاء على فرض التزام حقيقي، معتبراً أن الولايات المتحدة تبقى الطرف الأكثر تأثيراً في المسار، وأن المطلوب من شركاء الوساطة الضغط على واشنطن، بوصفها الطرف القادر على ممارسة الضغط الفعلي على إسرائيل.

ويقول إن المطلوب هو إعلان موقف واضح من خروقات الاتفاق وعدم الالتزام به، لكنه يشكك في استعداد الأطراف الأخرى لمواجهة الولايات المتحدة، محذراً من أن استمرار هذا العجز سيجعل الفلسطينيين الطرف الذي يدفع الثمن.

إلى أين تتجه غزة؟

وفي ظل استمرار التصعيد، لا تبدو عودة الهدوء الكامل إلى القطاع أمراً مضموناً، خصوصاً مع ارتباط التطورات الميدانية بالحسابات السياسية الإسرائيلية والأميركية.

ويعتقد الصباح أن نتنياهو لن يترك أي فرصة يمكن أن تخدم بقاءه السياسي، وأن قطاع غزة سيظل إحدى الأوراق التي يمكن استخدامها في المعركة الانتخابية، إلى جانب ملفات إيران وحزب الله والضفة الغربية.

أما الدراوي، فيستبعد استمرار الوضع الراهن طويلاً، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد ترتيبات سياسية جديدة، بما فيها بحث مستقبل حركة حماس ودورها السياسي، مع وجود حديث عن إمكانية مشاركتها في الانتخابات الفلسطينية المقبلة ضمن ترتيبات سياسية مختلفة.

وبينما تتجه "إسرائيل" إلى انتخاباتها، تبقى غزة عالقة بين تهدئة لم تستطع تثبيت نفسها وتصعيد يتسع تدريجياً، في وقت تبدو فيه احتمالات الحرب مرتبطة ليس فقط بالميدان، بل أيضاً بما يجري داخل إسرائيل وفي العلاقة بين نتنياهو وترامب.

 

اخبار ذات صلة