قائمة الموقع

من «إدارة الاعتداء» إلى رفع كلفته.. دراسة تقترح إعادة بناء معادلة الردع بالضفة

2026-09-02T10:28:00+03:00
الرسالة نت

في ظل التصاعد المتواصل لعنف المستوطنين وتوسع البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية، وما يرافق ذلك من تهجير للسكان الفلسطينيين والاستيلاء التدريجي على الأراضي، يطرح المركز الفلسطيني للدراسات السياسية ورقة بحثية جديدة بعنوان: «أزمة الردع الفلسطيني في الضفة الغربية: من إدارة الاعتداء إلى بناء القدرة على منعه»، تبحث في أسباب تآكل القدرة الفلسطينية على منع الاعتداءات، وتقترح مسارًا عمليًا لإعادة بناء الردع بعيدًا عن أدوات المواجهة العسكرية التقليدية.

وتنطلق الورقة من ملاحظة أساسية مفادها أن التعامل الفلسطيني مع الاعتداءات انتقل خلال السنوات الأخيرة من محاولة منعها إلى إدارة نتائجها بعد وقوعها، في وقت بات فيه المشروع الاستيطاني يعمل ضمن بيئة منخفضة الكلفة، مستفيدًا من الحماية الأمنية والتغطية السياسية والقضائية. وترى الدراسة أن استمرار هذه المعادلة يعني السماح للاعتداء بأن يتحول تدريجيًا إلى واقع جغرافي وسياسي دائم.

وتكتسب هذه الخلاصة أهمية خاصة في ضوء استمرار توسع الاستيطان الرعوي وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، فقد وثقت بيانات فلسطينية رسمية تنفيذ أكثر من 11 ألف اعتداء خلال النصف الأول من عام 2026، إلى جانب إقامة 42 بؤرة استعمارية جديدة، معظمها بؤر رعوية. 
كما حذرت منظمة العفو الدولية من أن عنف المستوطنين، إلى جانب سياسات التخطيط والهدم وتقييد الوصول إلى الأراضي والموارد، يساهم في دفع التجمعات الفلسطينية الرعوية نحو التهجير القسري.

الردع لا يعني بالضرورة المواجهة العسكرية

وتقدم الدراسة مفهومًا تسميه «الردع غير العسكري»، يقوم على استخدام حزمة متراكمة من الأدوات الميدانية والقانونية والاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية، بهدف نقل المعادلة من مجرد الاستجابة للضرر إلى رفع الكلفة المتوقعة للاعتداء قبل وقوعه.

وبحسب الورقة، فإن الهدف ليس منع كل اعتداء بصورة منفردة، وإنما جعل الاعتداء مكلفًا سياسيًا وقانونيًا واقتصاديًا على المستوطن والجهات التي توفر له الحماية أو التمويل أو الغطاء المؤسسي.

وتشير الدراسة إلى أن أحد مكامن الضعف الرئيسية يتمثل في التعامل مع المستوطن باعتباره فاعلًا منفردًا، بينما تقترح تفكيك ما تسميه «الثلاثي الاستيطاني» إلى ثلاثة مستويات: المستوطن، والجيش والأجهزة الأمنية، والدولة والمؤسسات الحاكمة، ثم تحديد أدوات ضغط مختلفة تجاه كل مستوى.

الاستيطان الرعوي.. السيطرة بأقل كلفة

وتولي الورقة اهتمامًا خاصًا للاستيطان الرعوي، باعتباره إحدى أسرع أدوات السيطرة على الأرض، إذ تستطيع أعداد محدودة من المستوطنين فرض سيطرة فعلية على مساحات واسعة من خلال منع المزارعين والرعاة الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، دون الحاجة إلى إقامة مستوطنات كبيرة أو بنية تحتية مكلفة.

وتورد الدراسة أن عدد البؤر الرعوية ارتفع من صفر عام 2021 إلى 133 بؤرة بحلول عام 2025، وفق البيانات التي اعتمدت عليها، مع سيطرتها على أكثر من مليون دونم من أراضي الضفة الغربية.
 وتتقاطع هذه الصورة مع تقارير حديثة ترصد استمرار التوسع في البؤر الرعوية واستخدامها كأداة للسيطرة على الأراضي الفلسطينية.

وترى الورقة أن خطورة هذا النمط لا تكمن فقط في الاستيلاء على الأرض، وإنما في تفكيك البيئة الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية من خلال ضرب الزراعة وتربية المواشي، وإتلاف المحاصيل والممتلكات، وقطع الوصول إلى مصادر المياه والمراعي، بما يدفع السكان تدريجيًا إلى مغادرة مناطقهم.

الصمود الشعبي.. خط الدفاع الأول

وفي مقابل محدودية قدرة السلطة الفلسطينية على توفير حماية ميدانية شاملة، خصوصًا في المناطق المصنفة «ج»، تضع الدراسة الصمود الشعبي في قلب معادلة الردع.

وتقترح الورقة تطوير الصمود من حالة فردية أو رد فعل محلي إلى منظومة مؤسسية تشمل تثبيت السكان والبناء الزراعي، وشبكات التعويض السريع، ولجان الحراسة والإنذار المبكر، والتوثيق الحقوقي والإعلامي الفوري.

وتؤكد الدراسة أن بقاء العائلات الفلسطينية في المناطق المهددة، ولا سيما في مسافر يطا والأغوار وجنوب الخليل، لا يمثل مجرد صمود اجتماعي، بل يمكن أن يتحول إلى أداة ردع فعلية عندما تقترن كلفة التهجير بكلفة سياسية وإعلامية وقانونية متصاعدة.

إنذار مبكر قبل وقوع الاعتداء

ومن أبرز المقترحات التي تقدمها الورقة إنشاء نظام للإنذار المبكر والحماية المجتمعية، يهدف إلى حرمان المعتدين من عنصر المفاجأة.

ويقوم التصور على تطبيقات للإنذار وتحديد الموقع، وكاميرات مراقبة تعمل بالطاقة الشمسية، ولجان حراسة مجتمعية مدربة، وشبكة إسناد بين القرى، إلى جانب توثيق رقمي فوري وآمن للانتهاكات وإرسال المواد إلى المؤسسات الحقوقية والدبلوماسية.

وتقترح الدراسة أن يُقاس نجاح النظام بزمن الاستجابة للإنذار، ومدى تغطية القرى المهددة، وقدرة المنظومة على إفشال الاعتداء أو الحد من أضراره قبل تحقيق أهدافه.

من الإدانة إلى الكلفة

ولا تكتفي الورقة بالدعوة إلى تحرك ميداني، بل تقترح توظيف الأدوات الاقتصادية والقانونية والدبلوماسية بصورة أكثر فاعلية، من خلال ملاحقة المستوطنين والمسؤولين المتورطين، وتفعيل الولاية القضائية العالمية، وبناء ملفات قانونية موثقة، وربط العلاقات والشراكات الدولية مع الكيان الإسرائيلي بمدى الالتزام بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

وتخلص الدراسة إلى أن المشكلة الأساسية ليست في استحالة بناء قدرة ردعية فلسطينية، وإنما في غياب التنسيق الوطني والتمويل المستدام. 
ومن هنا تقترح البدء بالأدوات الأقل كلفة والأكثر قابلية للتنفيذ، مثل الإنذار والتوثيق، ثم الانتقال تدريجيًا إلى الملاحقة القضائية والضغط الدبلوماسي والمؤسسي.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية.. البحث في قلب التحولات

وتأتي هذه الورقة في سياق اهتمام المركز الفلسطيني للدراسات السياسية بإنتاج دراسات وتحليلات تتعامل مع التحولات السياسية والأمنية والاجتماعية الفلسطينية من منظور عملي، يتجاوز توصيف الأحداث إلى البحث في الأدوات والسياسات القابلة للتطبيق.

ومن خلال هذه الدراسة، يفتح المركز نقاشًا يتجاوز السؤال التقليدي حول كيفية مواجهة الاعتداء بعد وقوعه، إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن تحويل الاستيطان من مشروع منخفض الكلفة إلى مشروع يتحمل تبعات سياسية وقانونية واقتصادية متصاعدة؟

وتقترح الورقة، في جوهرها، إعادة تعريف الردع الفلسطيني باعتباره قدرة تراكمية على رفع كلفة الاعتداء وحماية الوجود الفلسطيني على الأرض، بما يجعل الصمود الشعبي، والتوثيق، والقانون، والاقتصاد، والدبلوماسية، والإنذار المبكر أجزاءً من استراتيجية واحدة لا أدوات متفرقة.

اخبار ذات صلة