مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

قيس البيطاوي.. طفلٌ حلم بالشهادة، فأنهت مسيّرة إسرائيلية مطاردته بجنين

الرسالة نت_ خاص

في مساء الجمعة 28 أغسطس/آب 2026، كان حي حرش السعادة غرب مدينة جنين على موعد مع غارة إسرائيلية. طائرة مسيّرة استهدفت منزلًا قيد الإنشاء، لتقتل ثلاثة شبان: قيس إبراهيم محمد البيطاوي (22 عامًا)، وباسل محمد إبراهيم تركمان (26 عامًا)، ومؤمن محمد فارس جرادات (22 عامًا).
لكن قيس ليس اسمًا عابرًا؛ بل كان شابًا تعرفه أزقة مخيم جنين، ولد عام 2004، وحمل اسم عمه الشهيد قيس البيطاوي، الذي استشهد خلال الانتفاضة الأولى التي اندلعت عام 1987. وفي المخيم الذي نشأ فيه، تشكلت ذاكرته على وقع الاقتحامات والمواجهات، وكان قريبًا أيضًا من ابن عمه نور البيطاوي، أحد أبرز قادة كتيبة جنين، الذي اغتالته إسرائيل بعد مطاردة طويلة في مدينة نابلس.

«أحلم بالشهادة »
قبل سنوات من اغتياله، وهو في السابعة عشرة؛ ظهر قيس في مقابلة مع وسائل إعلام محلية متحدثًا عن نظرته إلى المواجهة والموت. قال حينها إنه وهب عمره وروحه لله، وإنه إذا لم يمتلك سلاحًا فسيقاتل بالحجر أو المولوتوف، مضيفًا أنه كان يحلم بالشهادة منذ أن كان في الثانية عشرة من عمره.

كان قيس قد التحق بـكتيبة جنين عام 2021، وفق تقرير الجزيرة، وبرز في صفوفها بوصفه أحد قادة كتائب القسام في جنين. ومع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة، تحول إلى أحد المطاردين الذين تبحث عنهم قوات الاحتلال.
مطاردة بدأت قبل سنوات

  ليست بداية القصة
بحسب شهادة شقيقته حلا البيطاوي تعرض قيس لعدة محاولات اغتيال وأصيب ثلاث مرات، وظل مطاردًا لفترة طويلة، متنقلًا بحذر شديد، حتى إنه كان يبتعد عن عائلته خوفًا من أن يؤدي التواصل معهم إلى كشف مكانه أو تعريضهم للخطر.
وتقول حلا إن الاحتلال لم يكتفِ بملاحقة شقيقها، بل استخدم أفراد العائلة للضغط عليه.
ففي الفترة التي سبقت اغتياله، اعتُقل والده وخاله وعدد من أقاربه، كما تعرضت أماكن نزوح العائلة للمداهمة أكثر من مرة، وفق روايتها. وفي 15 أغسطس/آب 2026، قبل اغتياله بنحو أسبوعين، أفادت مصادر فلسطينية باعتقال شقيقته حلا ووالده، إلى جانب أقارب آخرين، في محاولة للضغط عليه لتسليم نفسه.
تقول حلا إن العائلة كانت تُسأل في كل مرة عن مكانه، وكانت إجابتهم أنهم لا يعرفون أين يوجد.

اللقاء الأخير
كان آخر لقاء بين حلا وشقيقها قبل نزوح العائلة من مخيم جنين خلال العمليات العسكرية التي شهدها المخيم.
تصفه بأنه كان حنونًا وقريبًا من الجميع، وحذرًا في الوقت نفسه. لم يكن خوفه، بحسب شقيقته، على نفسه بقدر ما كان يخشى أن يدفع أفراد عائلته ثمن مطاردته.
كان يزورهم على فترات متباعدة، ويتجنب الظهور أو ترك أي أثر يمكن أن يقود قوات الاحتلال إليه. لكن في الأيام الأخيرة قبل مقتله، تكثفت الملاحقة.

28 أغسطس.. الغارة
في نحو الساعة 4:10 عصرًا من يوم الجمعة 28 أغسطس، سمع سكان حي حرش السعادة صوت القصف.
بحسب شهادات ، استهدفت مسيّرة إسرائيلية منزلًا قيد الإنشاء، حيث كان قيس البيطاوي وباسل تركمان ومؤمن جرادات. وقال شهود إن صاروخًا واحدًا أصاب المكان مباشرة.
وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد الشبان الثلاثة، فيما 
بعد القصف، توجهت سيارات الهلال الأحمر إلى المكان. لكن عملية الإنقاذ لم تجرِ بصورة طبيعية.
احتجزت قوات الاحتلال طواقم الهلال الأحمر التي وصلت إلى الموقع، وصادرت معدات طبية كانت بحوزتها، وأجبرتها على مغادرة المكان من دون السماح لها بنقل الشهداء أو المصابين.
وقال مدير الإسعاف والطوارئ في الهلال الأحمر، محمود السعدي، أن ثلاث مركبات إسعاف توجهت إلى المكان، وأن مسعفين وصلا إلى المنزل وشاهدا الجثامين، قبل أن تحاصر قوات الاحتلال الموقع وتحتجز اثنين من المسعفين لنحو نصف ساعة، وتصادر هواتفهما، ثم تستولي على الجثامين.
وبحسب الشهادة نفسها، كان من الصعب التعرف على ملامح الشهداء من شدة القصف.

نعت كتائب القسام قيس، وقالت إنه كان من قادتها الذين أشرفوا على عدد من عملياتها في محافظة جنين، فيما نعت سرايا القدس أيضًا، ووصفته بأنه أحد أبرز قادتها في الضفة الغربية.

ووفق كتائب القسام، كان آخر نشاط عسكري نُسب إلى قيس قبل اغتياله هو تفجير عبوة ناسفة في حي الجابريات بمدينة جنين في 11 يونيو/حزيران 2026.
وقالت القسام إن العملية استهدفت قوات إسرائيلية وأدت إلى إصابة ضابطين إسرائيليين.

بعد استهداف المنزل، انتشرت آليات الاحتلال في محيط حرش السعادة، ومناطق أخرى من جنين، بينها محيط قاعة الأمير، وخروبة، والجابريات، والبادية.
أما شقيقة قيس، حلا، فتقول إن قوات الاحتلال داهمت منزل العائلة بعد اغتياله، وأبلغتهم باستشهاده، ثم اعتقلت والدها لعدة ساعات.

كانت حلا تتابع الأخبار حين سمعت عن استشهاد مجموعة من الشبان في غارة بجنين ولم تتوقع أن يكون شقيقها بينهم.
كانت تظن أنه بعيد عن المكان، قبل أن تصل قوات الاحتلال إلى المنزل وتخبر العائلة باستشهاده.
كان ذلك آخر فصل في مطاردة بدأت منذ سنوات؛ مطاردة بدأها قيس طفلا وانتهى رجلا مقاوما  ظل الاحتلال يلاحقه ويضغط على أقاربه للوصول إليه.
وفي مساء 28 أغسطس/آب 2026، انتهت المطاردة بصاروخ من طائرة مسيّرة.
بقي مخيم جنين، الذي حمل ذاكرته واسم عمه الشهيد وقصة ابن عمه نور، شاهدًا على نهاية شاب عاش سنواته الأخيرة مطاردًا، وحيدًا عن عائلته، ثم نهاية تليق بالأبطال.