قائمة الموقع

"كواليس مسلسل فلسطيني".. كيف حوّلت حسابات إسرائيلية مشهدًا تمثيليًا إلى "دليل فبركة"؟

2026-08-31T21:07:00+03:00
الرسالة نت - متابعة

تداولت حسابات إسرائيلية على نطاق واسع مقطع فيديو زعمت أنه يوثق كواليس "فبركة" فلسطينية لمشاهد اعتقال وتنكيل على يد جنود الاحتلال، في محاولة لتشويه التوثيق الفلسطيني وتصوير الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون على أنها مشاهد تمثيلية مصطنعة.

ويظهر في المقطع أشخاص يرتدون الزي العسكري الإسرائيلي ويحملون أسلحة، وهم يجبرون شبانًا فلسطينيين على الجثو، ثم يعصبون أعينهم ويقيدون أيديهم خلف ظهورهم. وفي خلفية المشهد، يُسمع صوت شخص يعدّ تنازليًا: "3، 2، 1.. أكشن"، قبل بدء التصوير داخل ما يبدو أنه مقهى، فيما يعاد تنفيذ المشهد أكثر من مرة وسط وجود كاميرات ومعدات تصوير.

حساب إسرائيلي يروّج للرواية المضللة

رصدت وحدة المصادر المفتوحة في موقع "الجزيرة" أن حساب "GAZAWOOD"، المعروف بترويجه للرواية الإسرائيلية والتشكيك في صور الضحايا والدمار في قطاع غزة، كان من أوائل الحسابات التي نشرت المقطع، في 28 أغسطس/آب الجاري، مقدمًا إياه باعتباره "كواليس" لجنود إسرائيليين وهم يعتقلون فلسطينيين.

وسرعان ما أعادت حسابات أخرى نشر المقطع، مرفقةً إياه بالادعاء ذاته، ما أدى إلى انتشار موجة من التعليقات التي شككت في مصداقية التوثيق الفلسطيني وسخرت من الفلسطينيين، ووصل بعضها إلى خطاب تحريضي وعدائي صريح.

تفصيل صغير يكشف مكان التصوير

لكن التدقيق في تفاصيل المقطع قاد إلى نتيجة مختلفة تمامًا.

فجميع الأشخاص الظاهرين فيه يتحدثون باللغة العربية، كما تظهر في الثانية 46 عبارة عربية معكوسة بسبب قلب الصورة. وبعد تصحيح اتجاهها، ظهرت عبارة "باشا بار"، وبالبحث عنها أمكن تحديد موقع التصوير داخل "الباشا كافيه" في البلدة القديمة بمدينة نابلس.

وبمقارنة المشهد مع صور منشورة للمقهى، ظهر تطابق واضح في تفاصيل المكان، بما في ذلك الرسومات المعلقة على الجدران وشكل المقاعد وألوانها والديكور الداخلي، ما يؤكد أن المقطع صُوّر داخل الموقع نفسه.

البحث العكسي يكشف أصل الفيديو

وأظهر البحث العكسي عن المقطع نسخة أخرى منشورة قبل تداول الرواية الإسرائيلية بأيام، على حساب يحمل اسم "أحمد عوادة" ويقيم صاحبه في نابلس.

ونُشرت النسخة في 21 أغسطس/آب الجاري بجودة أعلى، مع توضيح صريح بأنها توثق كواليس تصوير مسلسل فلسطيني بعنوان "نزيف التراب"، وليس مشاهد اعتقال حقيقية أو عملية فبركة لتوثيق الانتهاكات.

ويتناول المسلسل الواقع الفلسطيني في ظل الاحتلال، ويجسد دراميًا ما يتعرض له الفلسطينيون من قتل واعتقال وتنكيل، وهو ما يفسر استخدام الزي العسكري ومشاهد الاعتقال الواردة في المقطع.

كما أظهر تتبع مواقع تصوير العمل أنه صُوّر في عدد من مناطق الضفة الغربية، بينها جنين وطولكرم والبلدة القديمة في نابلس، بما يتطابق مع الموقع الذي ظهر في المقطع المتداول.

التطابقات البصرية تؤكد الرواية الأصلية

ولم تتوقف الأدلة عند تحديد مكان التصوير؛ إذ أظهر التدقيق تطابقًا بين عدد من الأشخاص الظاهرين في المقطع وشخصيات ظهرت في حلقات ومشاهد أخرى من المسلسل، إلى جانب تطابق عناصر بصرية وملابس ومواقع تصوير.

كما ظهر تشابه بين أحد المشاركين في المشهد ومخرج العمل الفلسطيني بشار النجار، فضلًا عن تطابقات مع أفراد من طاقم التصوير ظهروا في مواد سابقة توثق إنتاج المسلسل.

وتؤكد هذه المعطيات مجتمعة أن المقطع المتداول لا يوثق عملية "فبركة" فلسطينية لممارسات الاحتلال، وإنما يصور كواليس إنتاج درامي فلسطيني جرى تصويره في الضفة الغربية.

اقتطاع المشهد وقلب سياقه

وتكشف الواقعة كيف يمكن لمقطع حقيقي أن يتحول إلى أداة تضليل بمجرد اقتطاعه من سياقه الأصلي وإعادة تقديمه ضمن رواية مختلفة.

فالحسابات التي تداولت الفيديو لم تنشره بوصفه مشهدًا من عمل درامي، بل قدمته باعتباره "دليلًا" على أن الفلسطينيين يفبركون مشاهد الاعتقال والتنكيل، متجاهلة الأدلة التي تحدد مكان التصوير ومصدره وطبيعته الفنية.

ويأتي ذلك ضمن نمط متكرر من حملات التضليل التي تستهدف التوثيق الفلسطيني، عبر إعادة تدوير مواد مصورة حقيقية بعد نزعها من سياقها، ثم استخدامها للتشكيك في صور ومقاطع توثق الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين.

"نزيف التراب".. دراما تحاكي واقع الاحتلال

يضم مسلسل "نزيف التراب" نحو 50 ممثلًا فلسطينيًا وأكثر من 20 فردًا ضمن الكادر الفني، وبدأت كتابته وتصويره بعد الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وتتناول أحداث العمل قصة أسرى فلسطينيين يفرون من سجن عوفر، قبل أن تطاردهم قوات الاحتلال، وتتعرض قريتهم للاقتحام، في حبكة درامية تستند إلى واقع الاعتقال والملاحقة والاقتحامات التي يعيشها الفلسطينيون تحت الاحتلال.

وبذلك، فإن المشهد الذي جرى تقديمه على أنه "فبركة فلسطينية" لم يكن سوى جزء من عمل فني فلسطيني يحاكي واقعًا معروفًا، قبل أن يُنتزع من سياقه ويُستخدم في حملة تهدف إلى التشكيك في التوثيق الفلسطيني للانتهاكات.

اخبار ذات صلة