مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

مقال: الصحفي في غزة.. يروي الحكاية وهو حكاية

الصحفي وسام عفيفة
الصحفي وسام عفيفة

وسام عفيفة

مجددًا، يدفع الصحفي الفلسطيني ثمنًا لا يظهر كله أمام الكاميرا.

هذه المرة كان أحمد غانم، مراسل قناة الميادين في غزة، يقف أمام وجع يعرفه جيدًا؛ وجع أن تنتقل الحكاية التي اعتاد أن يرويها للناس إلى داخل بيته وعائلته.

بالأمس، طال القصف الإسرائيلي خيمة عائلته في دير البلح. أصيب والده إصابة خطيرة، وطالت الإصابة أفرادًا آخرين من العائلة، فيما رحل ابن شقيقته الطفل تيم حمدان، حيث لم تكن يداه الصغيرتان تعرفان شيئًا عن الحروب ولا اتفاقاتها ولا خطوط التماس فيها.

وبالنسبة لأحمد، لم تكن هذه المرة الأولى التي تختلط فيها وظيفة الصحفي بفاجعته الشخصية.

قبل اثني عشر عامًا، خلال حرب 2014، كان يغطي القصف والدمار في غزة حين جاءه الخبر الذي لا يستطيع أي صحفي التعامل معه باعتباره مجرد خبر: شقيقه محمد استشهد في قصف إسرائيلي على رفح.

عاد احمد إلى الشاشة. وفي أول ظهور له على الهواء نعى شقيقه، قبل أن يكمل التغطية.

وكأن قدر الصحفي في غزة أن يمنح حزنه دقائق قليلة، ثم يحمل الميكروفون من جديد.

ومنذ ذلك الحين تراكمت الأوجاع.

فقد أحمد والدته أيضًا قبل نحو شهرين بعد رحلة قاسية مع مرض السرطان، في قطاع محاصر تحت الحرب يكاد يصبح البحث فيه عن دواء أو فرصة للعلاج خارج غزة معركة أخرى تضاف إلى المرض ذاته.

وهنا لا تعود قصة أحمد غانم قصة صحفي واحد.

إنها صورة مكثفة لمهنة كاملة تعيش في غزة حالة ربما يصعب العثور على مثيل لها في أي مكان آخر.

فالصحفي هنا لا يصل إلى مكان الكارثة قادمًا من منطقة آمنة، ثم يعود مساءً إلى منزله. بيته نفسه قد يكون هدفًا، وعائلته قد تكون بين الضحايا، وخيمته قد تصبح غرفة الأخبار، وأطفاله يعيشون الخوف ذاته الذي يصوره للآخرين.

وفق التقديرات الفلسطينية، استشهد أكثر من 270 صحفيًا وإعلاميًا منذ بداية الحرب، وأصيب نحو 500 آخرين. وأكثر من أربعين صحفيًا يعيشون اليوم مع إصابات وأمراض خطيرة تحتاج إلى علاج خارج قطاع غزة. كما فقدت غالبية واسعة من الصحفيين في القطاع منازلها أو تعرضت للنزوح.

لكن الأرقام، على فداحتها، لا تقول كل شيء.

لا تخبرنا الأرقام كم مرة وقف صحفي أمام الكاميرا بعد أن ودع قريبًا له بساعات.

ولا كم مراسلًا أنهى مداخلته على الهواء ثم عاد يبحث عن الماء والطعام لأطفاله.

ولا كم مصورًا حمل كاميرته وهو لا يعرف إن كان المنزل الذي ترك فيه أسرته سيبقى قائمًا حتى يعود.

ولا كم صحفيًا اضطر إلى تصوير جنازات الآخرين بينما يحمل في داخله جنازاته الخاصة.

لهذا ربما تكون الجملة الأدق في وصف صحفيي غزة أنهم لم يكونوا مجرد شهود على الحرب.

لقد كانوا من ضحاياها أيضًا.

غطوا النزوح وهم نازحون، والجوع وهم جائعون، والمستشفيات وهم يحملون جراحهم، والجنازات بينما الموت يطرق أبواب عائلاتهم.

وفي غزة تحديدًا، يصبح الفاصل بين الصحفي والحكاية رفيعًا إلى حد يكاد يختفي.

هنا، الصحفي يروي الألم وهو يحمله.

يوثق الجرح وهو ينزف منه.

ويروي الحكاية للناس، بينما هو نفسه حكاية.

بث مباشر