في الذاكرة البصرية الفلسطينية، ثمة شخصيات لم يكن كشف الوجه شرطًا لحضورها، بل أصبح غيابه جزءًا من هويتها ورمزيتها. طفل صغير يدير ظهره للعالم، ورجل يظهر بعد عقود بوجه تغطيه الكوفية الحمراء؛ بين حنظلة الذي ابتكره رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، وأبو عبيدة الذي عُرف بوصفه المتحدث العسكري باسم كتائب القسام، تتغير الأزمنة والأدوات والسياقات، لكن تبقى فكرة لافتة: حين يغيب الوجه، قد يتحول صاحبه من فرد إلى رمز.
تعود بداية حكاية حنظلة إلى عام 1969، عندما ظهر للمرة الأولى في رسومات ناجي العلي، الذي حمل معه تجربة اللجوء الفلسطيني منذ طفولته. وُلد العلي في قرية الشجرة قرب الناصرة، وعاش تجربة التهجير بعد نكبة عام 1948، قبل أن يستقر في مخيم عين الحلوة في لبنان. وانعكست تلك التجربة بقوة على أعماله الكاريكاتورية التي تناولت القضية الفلسطينية والاحتلال واللجوء والواقع العربي.
جاء حنظلة طفلًا في العاشرة من عمره، وهي السن التي كان عليها ناجي العلي عندما غادر فلسطين. طفل حافي القدمين، يرتدي ملابس بسيطة، ويضع يديه خلف ظهره، لكنه لا يواجه القارئ بوجهه؛ بل يدير ظهره دائمًا تقريبًا.
لم يكن ذلك التفصيل مجرد اختيار فني. فقد تحولت هيئة حنظلة إلى تعبير عن الفلسطيني الذي اقتُلع من أرضه، وعن اللاجئ الذي بقيت فلسطين حاضرة في ذاكرته رغم ابتعاده عنها. ووفقًا للتعريف الذي قدمه ناجي العلي لشخصيته، ظل حنظلة في العاشرة من عمره، ولن يكبر قبل أن يعود إلى فلسطين.
في السنوات التي تلت ظهوره، انتقل حنظلة من صفحات الصحف إلى الملصقات والرسومات والجدران والفعاليات، وتحول تدريجيًا من شخصية كاريكاتورية إلى أحد أشهر الرموز البصرية المرتبطة بالقضية الفلسطينية. لم يكن القارئ بحاجة إلى رؤية وجهه كي يعرفه؛ فقد أصبحت قامته وملابسه ووقفته وظهره المائل إلى المشاهد بمثابة ملامح له.
وفي 22 يوليو/تموز 1987، تعرض ناجي العلي لإطلاق نار في لندن، وأصيب برصاصة في الرأس، ودخل في غيبوبة قبل أن يتوفى في 29 أغسطس/آب من العام نفسه. لكن موت رسام حنظلة لم يكن نهاية الشخصية؛ فقد بقي الطفل حاضرًا في الثقافة السياسية والفنية الفلسطينية والعربية، واستمر ظهوره بوصفه رمزًا للمنفى والاقتلاع والتمسك بالعودة.
وبعد عقود، وفي عصر مختلف تمامًا من تاريخ الإعلام، ظهرت شخصية أبو عبيدة، الذي عُرف بوصفه المتحدث العسكري باسم كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس. ارتبط ظهوره الإعلامي بالبيانات المصورة والخطابات التي كانت تُبث خلال جولات التصعيد والحروب، لكن الصورة التي استقرت في أذهان الجمهور لم تكن مرتبطة بالصوت والكلمات فقط.وكان اللثام جزءًا أساسيًا منها.
ظهر أبو عبيدة بوجه مغطى بالكوفية الحمراء، بحيث لا تظهر ملامحه الشخصية بوضوح. ومع تكرار ظهوره عبر السنوات، لم يعد اللثام مجرد وسيلة لإخفاء الوجه، بل أصبح علامة بصرية مرتبطة بالشخصية نفسها، إلى جانب الصوت وطريقة الحديث والظهور أمام الكاميرا.
وهنا تبرز نقطة التشابه الأكثر وضوحًا بين حنظلة وأبو عبيدة: كلاهما استطاع أن يصبح معروفًا من دون أن يرى الجمهور وجهه.
حنظلة يخفي وجهه بإدارة ظهره، وأبو عبيدة يخفي وجهه باللثام. الأول شخصية فنية مرسومة، والثاني شخصية حقيقية تستخدم اسمًا حركيًا وتظهر في سياق عسكري وسياسي. لكن في الحالتين، لا تعتمد الهوية البصرية على ملامح الوجه، بل على مجموعة من العلامات التي أصبحت كافية للتعرف إلى الشخصية.
وهذا التشابه يكتسب دلالة أكبر إذا نظرنا إلى التحول الذي شهدته وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية خلال العقود الماضية. عندما ظهر حنظلة، كانت الصحيفة والكاريكاتير من أهم أدوات صناعة الصورة السياسية. كان الرسم الثابت قادرًا على اختزال حدث أو قضية أو موقف في شخصية واحدة.
أما أبو عبيدة فظهر في عصر الصورة المتحركة والبث الفضائي ومنصات التواصل الاجتماعي. لم تعد الصورة مجرد رسم على ورق، بل أصبحت فيديو وصوتًا ولقطات قابلة لإعادة النشر والانتشار خلال دقائق.
ومع ذلك، بقي عنصر مشترك: إخفاء الوجه مع الحفاظ على الحضور.
لكن المقارنة بين الشخصيتين لا تعني أنهما متطابقتان في المعنى أو الوظيفة. حنظلة شخصية فنية ابتكرها ناجي العلي، وتحمل دلالات مرتبطة باللجوء الفلسطيني والاقتلاع والهوية والعودة، ولم تكن ممثلة لتنظيم عسكري أو سياسي بعينه. أما أبو عبيدة فهو شخصية حقيقية ذات اسم حركي ارتبطت بالخطاب العسكري لكتائب القسام؛ لكن كلاهما يقاوم بطريقة أو بأخرى.
لذلك فإن التشابه بينهما لا يقع بصورة أساسية في مستوى الصورة والرمز، بل في الوظيفة السياسية أو السياق التاريخي.
ومع ذلك، فإن المسافة الزمنية بينهما تكشف شيئًا مهمًا عن تطور الرمز الفلسطيني. حنظلة خرج من تجربة النكبة واللجوء، بينما ظهر أبو عبيدة في زمن الحروب المتكررة على غزة وصعود الإعلام الرقمي. وبين ظهور الاثنين مرت القضية الفلسطينية بمحطات كبرى، من النكبة عام 1948 وحرب 1967، إلى الانتفاضة الأولى عام 1987، واتفاقيات أوسلو، والانتفاضة الثانية، ثم الحروب والتصعيدات المتعاقبة في قطاع غزة.
في كل تلك المراحل تغيرت الأدوات، لكن ظلت الحاجة إلى صورة تختصر الكثير من الكلام قائمة.
حنظلة لم يكن بحاجة إلى وجه كي يصبح معروفًا؛ كان ظهره كافيًا ليحمل قصة اللاجئ الفلسطيني. وأبو عبيدة لم يكن بحاجة إلى كشف ملامحه كي يتعرف إليه الجمهور؛ فقد أصبح اللثام نفسه جزءًا من صورته العامة.
وبين طفل يدير ظهره ورجل يخفي وجهه، تبدو المفارقة واضحة: في عالم أصبحت فيه الصورة وسيلة أساسية لصناعة الشهرة والهوية، استطاعت شخصيتان فلسطينيتان أن تصنعا حضورهما من خلال إخفاء أهم ما في الصورة، وهو الوجه.
وربما تكمن قوة التشابه بينهما تحديدًا في هذه المفارقة؛ فحين تختفي الملامح الفردية، يصبح الرمز أكبر من صاحبه، وتتحول الهيئة إلى علامة، والصورة إلى ذاكرة، والوجه الغائب إلى وجه حاضر في الوعي العام.
من حنظلة إلى أبو عبيدة، لم يعد السؤال: كيف يبدو الوجه؟ بل في الغياب اللذي لقوته أصبح يحمل معنى الحضور الكامل.
من حنظلة إلى أبو عبيدة.. حين يصبح الوجه الغائب أكثر حضورًا
الرسالة نت - متابعة