٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

"ماما.. جيبيلي رجلي من السما".. جمالات ضبان تكبر بنصف طفولة

الطفلة جمالات ضبان
الطفلة جمالات ضبان

الرسالة نت - خاص

لم تكن جمالات ضبان تعرف أن ساقها التي اعتادت أن تركض بها خلف شقيقها وتلهو بها في أزقة بيت لاهيا، ستصبح يومًا ذكرى في صورة قديمة.

في الرابعة من عمرها، كانت الحياة بالنسبة إليها بسيطة؛ لعبٌ وحركةٌ وضحكاتٌ لا تنتهي. لكن الحرب التي لاحقت عائلتها من شمال قطاع غزة إلى خيمة النزوح، تركت في جسدها أثرًا لن تستطيع السنوات محوه بسهولة.

في 11 مايو/أيار 2026، كانت جمالات تعيش مع عائلتها في خيمة بعد نزوحهم من بيت لاهيا، حين استُهدفت خيمة مجاورة لهم. لم تنجُ الطفلة من آثار القصف؛ فقد أصيبت بجروح بالغة انتهت ببتر ساقها اليسرى. ومنذ ذلك اليوم، تغير كل شيء.

لم تعد جمالات قادرة على الركض أو اللعب كما كانت تفعل. أصبحت تحاول التحرك باستخدام يديها فوق الرمال، فيما تلازمها والدتها رشا ضبان لتساعدها في أبسط تفاصيل حياتها اليومية.

لكن الألم الأكبر لم يكن في الجرح وحده، بل في عقل طفلة صغيرة لم يستوعب بعد ماذا حدث لساقها.

كانت جمالات تنظر إلى صورها القديمة، حيث تظهر واقفة بساقيها، ثم تسأل والدتها عنها. لم تكن تفهم أن تلك الساق التي تراها في الصورة لن تعود.

وفي لحظة تختصر مأساة طفولة كاملة، قالت لوالدتها:

«ماما.. هاي رجلي بالسماء، صح؟ روحي جيبيني إياها.. بدي أركبها عشان أطلع أمشي».

كانت جمالات تتحدث ببساطة طفلة تريد أن تستعيد شيئًا تظن أنه ما زال موجودًا في مكان ما؛ ساقها التي غابت عن جسدها، لكنها بقيت حاضرة في ذاكرتها.

تروي رشا أن ابنتها لم تعد تلك الطفلة التي كانت تعرفها قبل الإصابة. فقدت جزءًا من قدرتها على الحركة، وأصبحت بحاجة إلى مساعدة مستمرة، بينما تحاول الأم أن تشرح لها واقعًا أكبر من قدرتها على الفهم.

وتسأل رشا بألم: «ما ذنب هذه الطفلة فيما حدث؟ ذنبها أنها طفلة تعيش في غزة».

لا تطلب جمالات الكثير. تريد فقط أن تمشي. تنتظر الطفلة أن تحصل على طرف صناعي يساعدها على استعادة قدرتها على الحركة، وربما يمنحها فرصة للعودة إلى بعض ما فقدته من طفولتها: أن تمشي وحدها، أن تلعب مع شقيقها، وأن تركض دون أن تضطر إلى الزحف فوق الرمال.

لكن الحصول على طرف صناعي في غزة ليس أمرًا بسيطًا.

فالحرب لم تترك آلاف الجرحى والمبتورين فقط، بل ضربت أيضًا القدرة الطبية على التعامل مع هذه الحالات، وسط نقص في المواد والمعدات اللازمة لصناعة الأطراف وتركيبها.

وبحسب بيانات أوردتها تقارير فلسطينية، سجلت وزارة الصحة أكثر من 6 آلاف حالة بتر، فيما تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أكثر من 5 آلاف حالة بتر أطراف ناجمة عن إصابات الحرب.

ولا تتوقف المأساة عند البتر؛ إذ يواجه آلاف المصابين إصابات غيّرت حياتهم بصورة دائمة، بينهم عدد كبير من الأطفال.

وتشير بيانات أوردتها تقارير صحافية إلى أن نحو 43 ألف شخص تعرضوا لإصابات مغيرة للحياة، بينهم قرابة 10 آلاف طفل. وبين سبتمبر/أيلول 2024 ومايو/أيار 2026، جرى تقييم أكثر من ألفي مبتور، بينما لم يحصل سوى 502 منهم على أطراف صناعية دائمة.

الأرقام هنا لا تعني جمالات وحدها، لكنها تجعل قصتها جزءًا من صورة أكبر لأطفال فقدوا أجزاء من أجسادهم قبل أن تتاح لهم فرصة فهم معنى الفقدان.

بث مباشر