لم تكن آمنة غبن وأخواتها الثلاث يعرفن أن الخروج من مركز الإيواء في مخيم جباليا سيكون بداية لفقدان الأسرة بأكملها.
في الخامس من ديسمبر/كانون الأول 2023، كانت العائلة داخل أحد مراكز الإيواء في مخيم جباليا، شمال قطاع غزة، حين اشتد حصار قوات الاحتلال للمنطقة، وتكاثف إطلاق النار والقصف من مختلف الاتجاهات.
أمام الخطر المتزايد، طلب الأب من زوجته وبناته مغادرة المكان، فيما قرر البقاء لبعض الوقت، على أمل أن يلتحق بهن لاحقًا. خرجت الأم برفقة بناتها، لكنها لم تبتعد كثيرًا عن زوجها، وطلبت من ابنتها الكبرى آمنة وشقيقاتها الانتظار في مكان قريب ريثما تعود إليه.
كانت تلك اللحظات الأخيرة التي رأت فيها الفتيات والديهما معًا.
مع اشتداد القصف وإطلاق النار، تأخر الأب، فقررت الأم العودة إلى المكان الذي تركته فيه لتتفقده. تركت بناتها في نقطة قريبة وطلبت منهن الانتظار حتى عودتها، لكنها لم تعد.
تقدمت قوات الاحتلال داخل المنطقة، واضطرت آمنة إلى اصطحاب شقيقاتها والنزوح غربًا، بينما بقي السؤال يطاردها: أين والدتها؟ وماذا حدث لوالدها؟
بعد يومين، وصلت إلى الفتيات أنباء تفيد بأن الاحتلال قتل ميدانيًا من بقي داخل مركز الإيواء، ومن بينهم والدهن، لكن آمنة لم تستطع التأكد من الأمر؛ إذ كان الوصول إلى المنطقة مستحيلًا بسبب استمرار العمليات العسكرية.
وبعد نحو 12 يومًا من الحصار، انسحبت القوات من المنطقة. عندها عادت آمنة إلى المكان الذي تركت فيه والدها.
هناك وجدته كان ملقى على الأرض، وقد اخترقت جسده ثلاث رصاصات. كان المشهد بالنسبة لها تأكيدًا لما وصلها من أخبار عن استشهاده . وتقول إنها لن تنسى تلك اللحظة، وإنها منذ ذلك اليوم لم تعرف معنى الطمأنينة.
لكن مأساة الأسرة لم تتوقف عند فقدان الأب.
كانت الأم قد اختفت منذ ذلك اليوم، ولم تعرف البنات مصيرها حتى الآن. على مدى شهر كامل، بحثت آمنة عنها في المستشفيات، وراجعت قوائم المصابين والجثامين، على أمل العثور على أي أثر لها.
كانت تتمنى أن تجدها مصابة، أو أن تعرف أنها معتقلة، لأن فكرة أن تختفي أمها دون أي معلومة كانت أقسى من قدرتها على الاحتمال.
حتى اللجنة الدولية للصليب الأحمر حاولت آمنة التواصل معها لمعرفة ما إذا كانت والدتها معتقلة، لكن من دون أن تحصل على إجابة تنهي حالة الانتظار.
أربع شقيقات في مواجهة الحياة
بعد فقدان الأب واختفاء الأم، تحولت آمنة، وهي في السابعة عشرة من عمرها، إلى المسؤولة عن شقيقاتها الثلاث.
نزحت الفتيات مع أقاربهن إلى جنوب القطاع، وعشن نحو ثلاثة أشهر في خيمة مكتظة في دير البلح، قبل أن يعدن لاحقًا إلى مدينة غزة.
لم يكن هناك منزل ينتظرهن، ولا قريب قادر على استضافتهن، فلجأن إلى مخيم مخصص للأيتام، وسط ظروف إنسانية صعبة ونقص في الخدمات الأساسية.
وبات غياب الوثائق التي تثبت وفاة الأب عائقًا أمام حصول الأسرة على بعض أشكال المساعدة والكفالات، في وقت تُصرف فيه مساعدات كثيرة باسم رب الأسرة.
وبينما تحمل آمنة مسؤولية الطعام والرعاية والحماية، اضطرت هي وشقيقتها علياء إلى التوقف عن التعليم بسبب عدم القدرة المالية.
أما شقيقتهن الصغرى نور، البالغة من العمر ثمانية أعوام، فتمكنت من الالتحاق بخيمة تعليمية مجانية، لكنها تضطر إلى السير مسافة طويلة للوصول إليها؛ تغادر مكان نزوحها في السادسة صباحًا لتصل إلى المدرسة عند الثامنة.
داخل الخيمة، لا تملك آمنة رفاهية الحزن طويلًا عليها أن تؤمّن الطعام بما يتوفر، وتشعل النار للطهي، وتتابع شؤون شقيقاتها، وتحاول حمايتهن من مخاطر الحياة داخل المخيم، لكن غياب الأم يبقى حاضرًا في كل تفاصيل يومها.
تقول آمنة إن أكثر ما يؤلمها أنها تفتقد والدتها في كل موقف صعب؛ عندما تمرض إحدى شقيقاتها، أو حين يبكين ليلًا، أو عندما تعجز عن توفير أبسط احتياجاتهن.
منذ الخامس من ديسمبر 2023، لم تحصل الأسرة على إجابة حاسمة عن مصير الأم.
أبٌ فقدته البنات، وأمٌ اختفت دون أثر، وأربع شقيقات وجدْن أنفسهن أمام حياة أكبر بكثير من أعمارهن.