قائمة الموقع

من حلّ مؤقت إلى شريان حياة.. كيف تحوّل الاقتراض إلى أداة لتمويل إنفاق السلطة؟

2026-08-27T17:14:00+03:00
الرسالة نت - متابعة

 

لا تكمن خطورة الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية في نقص الإيرادات وحده، بل في الطريقة التي جرى بها التعامل مع هذا النقص على مدى سنوات؛ إذ تحوّل الاقتراض تدريجياً من أداة مؤقتة لسد فجوات السيولة إلى مصدر شبه دائم لتمويل النفقات الجارية والرواتب. 
هذه الخلاصة تبرز في ورقة *«الهيكل المالي الخانق: قرصنة المقاصة وانفجار الدين العام كأداة لتقويض السلطة الفلسطينية»*، التي أعدها الباحث *أ. خالد أبو عامر* ضمن إصدارات *المركز الفلسطيني للدراسات السياسية*.

وتقدم الورقة قراءة مختلفة نسبياً للأزمة، فهي لا تكتفي بتحميل الاحتلال مسؤولية الاختناق المالي، رغم اعتباره المحرك الخارجي الأول للأزمة، وإنما تبحث في كيفية إدارة السلطة للصدمات المالية المتكررة، وكيف أدى غياب التكيف الهيكلي المبكر في الإنفاق إلى تضاعف أثر فقدان إيرادات المقاصة.

وتشير الدراسة إلى أن المشكلة الأساسية بدأت عندما أصبحت الحكومة مضطرة إلى تغطية الفجوة بين الإيرادات الفعلية والتزاماتها الثابتة، وفي مقدمتها الرواتب والتقاعد وخدمة الدين، من خلال السحب على المكشوف والتسهيلات المصرفية قصيرة الأجل.
 ومع تكرار أزمات المقاصة، تحول هذا الاقتراض من إجراء استثنائي إلى مكوّن هيكلي في طريقة تمويل السلطة لنفقاتها.

من تعويض نقص الإيرادات إلى تراكم الدين

تكشف الأرقام التي تعرضها الورقة عن تحول كبير في بنية المديونية الفلسطينية. فقد ارتفع إجمالي الدين العام المباشر من *547 مليون دولار عام 1998 إلى نحو 4.45 مليار دولار عام 2026*، فيما ارتفع الدين المحلي بصورة خاصة، من 1.26 مليار دولار عام 2018 إلى نحو *3.35 مليار دولار عام 2026*، ليشكل قرابة 75% من الدين المباشر.

وترى الدراسة أن هذا التحول ليس مجرد نتيجة طبيعية لتراكم العجز، وإنما يعكس تغيراً في وظيفة الدين نفسه. فبدلاً من توجيه الاقتراض بصورة أساسية نحو الاستثمار أو المشاريع التي يمكن أن تولد دخلاً مستقبلياً، أصبح جزء كبير منه يستخدم لتغطية *النفقات التشغيلية والرواتب*، أي أن الحكومة تقترض اليوم لتمويل التزاماتها الحالية، من دون أن يؤدي الاقتراض بالضرورة إلى زيادة قدرتها المستقبلية على السداد.

وهنا تكمن، وفق الورقة، إحدى أخطر حلقات الأزمة: *الدين الذي يُستخدم لتمويل الاستهلاك الجاري لا ينتج مورداً جديداً لسداد نفسه*.
 ومع استمرار نقص الإيرادات، تحتاج الحكومة إلى مزيد من الاقتراض، ومع ارتفاع حجم الدين تتراجع قدرتها على الاقتراض مجدداً، لتدخل في دائرة أكثر ضيقاً من أزمة السيولة والديون.

البنوك تتحول إلى ممول رئيسي للحكومة

وتلفت الدراسة إلى أن وصول الدين المحلي إلى أكثر من 3.35 مليار دولار يعني أن السلطة اقتربت من سقف الاقتراض المباشر والتسهيلات المصرفية المقررة من سلطة النقد.
 وبذلك لم تعد المسألة مرتبطة بحجم الدين فقط، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً *بقدرة النظام المصرفي الفلسطيني على الاستمرار في تمويل الحكومة*.

وتحذر الورقة من أن التوسع في الاقتراض الحكومي يخلق منافسة مباشرة بين الدولة والقطاع الخاص على السيولة المصرفية المتاحة؛ فكلما زاد اعتماد الحكومة على البنوك لتمويل احتياجاتها الجارية، تقل المساحة المتاحة لتمويل الشركات والمشاريع والاستثمارات.

وهذا يعني أن الأزمة المالية الحكومية لا تبقى داخل الموازنة، بل تنتقل إلى الاقتصاد الأوسع: ارتفاع تكلفة التمويل، تراجع قدرة الشركات على الحصول على القروض، تأخر سداد الموردين، وضعف النشاط التجاري والاستثماري.

الدين الخفي أكبر من الدين المعلن

ولا تتوقف الورقة عند الدين المصرفي المباشر، إذ تلفت إلى وجود ما تسميه *«الدين الضمني»*، والمتمثل في المتأخرات والالتزامات تجاه صندوق التقاعد والموردين والموظفين وغيرها من الالتزامات غير المصرفية.
وتقدر الدراسة هذه الالتزامات بأكثر من *30 مليار شيكل*، بما يرفع، عند إضافتها إلى الدين المباشر، إجمالي مديونية السلطة إلى نحو **45 مليار شيكل* وفق تقديرات الورقة. وبذلك تصبح صورة الوضع المالي أكثر صعوبة من تلك التي يعكسها رقم الدين الحكومي المباشر وحده.

وتعتبر الدراسة أن هذا النوع من الدين يمثل في جوهره *ترحيل تكلفة الأزمة إلى المستقبل*؛ فبدلاً من دفع الالتزامات في موعدها، يجري تأجيلها لتتراكم كمتأخرات، سواء تجاه الموردين أو الموظفين أو صناديق التقاعد، وهو ما يزيد الضغوط على المالية العامة ويؤثر في الوقت نفسه في الاقتصاد والقطاع الخاص.

أين تقف إدارة المال العام من الأزمة؟

تقدم الورقة هنا قراءة أكثر توازناً؛ فهي تعتبر أن الاقتطاعات والاحتجاز الإسرائيلي لأموال المقاصة شكّلا الصدمة الأساسية، لكنها ترى أن *طريقة إدارة المالية العامة ساهمت في تحويل الصدمة إلى أزمة بنيوية*.
فارتفاع فاتورة الأجور، وعدم استكمال إصلاحات جوهرية في صندوق التقاعد والتوظيف العام، وغياب هامش مالي احتياطي، إلى جانب الاعتماد المتكرر على الاقتراض قصير الأجل، جعل الموازنة أقل قدرة على امتصاص الصدمات.

وبعبارة أخرى، لا تقول الدراسة إن السلطة تسببت في الأزمة، وإنما تشير إلى أن *هشاشة الإدارة المالية جعلت تأثير الأزمة الخارجية أكبر وأطول أمداً*.

عندما يصبح الاقتراض بديلاً عن الإصلاح

تكمن المعضلة التي تطرحها الورقة في أن الاقتراض يمكن أن يمنح الحكومة مساحة للتنفس في المدى القصير، لكنه يصبح جزءاً من المشكلة إذا استُخدم بصورة متكررة لتمويل الإنفاق الجاري.

ففي هذه الحالة تتشكل حلقة متكررة: *انخفاض الإيرادات، عجز في السيولة ، اقتراض مصرفي ، تراكم الدين، ارتفاع الالتزامات ، تضييق القدرة على الاقتراض ، تراكم المتأخرات*.
 وتوضح الدراسة أن هذه الحلقة ساهمت في نقل السلطة من أزمة سيولة مؤقتة إلى أزمة مديونية واستدامة مالية.

وتزداد خطورة هذه الحلقة في ظل اعتماد السلطة على مصدر رئيس للإيرادات يمكن تعطيله أو اقتطاعه بقرار إسرائيلي، الأمر الذي يجعل أي سياسة مالية لا تتعامل مع بنية الإنفاق والدين عرضة لإعادة إنتاج الأزمة مستقبلاً.

الأزمة تصل إلى المواطن والقطاع الخاص

لا تنظر الدراسة إلى الدين باعتباره أرقاماً محاسبية فقط، بل تربطه بصورة مباشرة بالرواتب والخدمات والاقتصاد، فقد أدى تراجع انتظام دفع رواتب الموظفين إلى تآكل قدرتهم الشرائية، فيما أدى شح السيولة إلى الضغط على القطاع الخاص والموردين، وتفاقمت الالتزامات تجاه القطاعات الصحية والتعليمية والخدمية.

ومن هنا، فإن استمرار الاقتراض لتمويل النفقات التشغيلية لا يعني فقط ارتفاع الدين الحكومي، بل يعني أيضاً أن جزءاً متزايداً من الموارد المستقبلية سيذهب إلى معالجة آثار الاقتراض السابق، بدلاً من توجيهه إلى الاستثمار والخدمات والتنمية.

ما الذي تقترحه الورقة؟

لا تطرح الدراسة معالجة الأزمة باعتبارها مسؤولية خارجية فقط. فإلى جانب الدعوة إلى الإفراج عن أموال المقاصة وإنشاء آلية دولية لتدقيق الاقتطاعات، تدعو إلى *إعادة هيكلة الموازنة وترشيد الإنفاق الجاري، ومراجعة فاتورة الأجور وصندوق التقاعد، وحماية سقف الاقتراض المحلي، ووقف التوسع في الاقتراض الاستهلاكي، وتوجيه أي تمويل متاح نحو مشاريع تنموية واستثمارية مولدة للدخل*.

كما تقترح إنشاء آلية واضحة لجدولة المتأخرات، بما يعيد الثقة إلى القطاع الخاص والسوق المحلي، وإجراء تدقيق مستقل في الاقتطاعات والفواتير التي تخصم من أموال المقاصة.

سؤال أبعد من الأزمة الحالية

تضع ورقة *المركز الفلسطيني للدراسات السياسية* النقاش في إطار أوسع من مجرد البحث عن تمويل عاجل للسلطة: *هل يمكن الاستمرار في إدارة الأزمة المالية من خلال الاقتراض، أم أن اللحظة باتت تتطلب تغييراً في نموذج إدارة المال العام نفسه؟*

فالورقة ترى أن إنهاء احتجاز واقتطاع المقاصة يمثل شرطاً أساسياً للتعافي، لكنه لن يكون كافياً وحده إذا استمرت بنية الإنفاق الجامدة والاعتماد على الاقتراض لتمويل العجز الجاري. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من إدارة أزمة مالية شهرية إلى بناء سياسة مالية قادرة على تقليل الاعتماد على الدين، وحماية القطاع الخاص، واستعادة هامش الأمان المالي للسلطة.

وتأتي هذه الدراسة في إطار الدور البحثي الذي يضطلع به *المركز الفلسطيني للدراسات السياسية* في تحليل القضايا الفلسطينية الراهنة، ولا سيما تلك التي تقع عند تقاطع السياسة والاقتصاد وصنع القرار. 

ويواصل المركز من خلال أوراقه ودراساته تقديم قراءات تحليلية تسعى إلى تجاوز توصيف الأزمة إلى تفكيك آلياتها، وطرح أسئلة عملية حول الخيارات والسياسات التي يمكن أن تحد من تداعياتها على المجتمع الفلسطيني ومؤسساته.

اخبار ذات صلة