قائمة الموقع

المفقودون في غزة.. وجع الانتظار الذي لا ينتهي

2026-08-27T15:56:00+03:00
الرسالة نت - خاص


لم تنتهِ الحرب بالنسبة لعائلات آلاف المفقودين في قطاع غزة، فبينما توقفت أصوات القصف في بعض المناطق، بقيت أصوات أخرى عالقة في ذاكرة الأسر، تبحث عن إجابة واحدة، أين أبناؤنا؟

وفي ظل غياب المعلومات الدقيقة، تحولت الأيام إلى انتظار ثقيل، لا يحمل معه سوى الاحتمالات المفتوحة بين الأمل والخوف، فيما تظل عائلات كثيرة عاجزة عن معرفة ما إذا كان أحباؤها أحياء أم أن مصيرهم كان الموت تحت الأنقاض.

ومنذ بداية الحرب، فقدت عائلات فلسطينية الاتصال بأبنائها وأقاربها في ظروف مختلفة، بعضهم اختفى أثناء النزوح أو القصف وآخرون فقدت آثارهم في مناطق تعرضت لعمليات عسكرية واسعة.

ومع صعوبة الوصول إلى المناطق المدمرة وانتشار الركام ونقص المعدات اللازمة للبحث وانتشال الجثامين، أصبحت معرفة مصير المفقودين واحدة من أكثر الملفات الإنسانية إيلاما وتعقيدا في القطاع.

انتظار لا ينتهي
وبالنسبة إلى ذوي المفقودين، لا يشبه الانتظار انتظارا عاديا، فهو حالة يومية من القلق والبحث واستعادة التفاصيل، يعيش فيها الأهل على أمل سماع خبر يعيد إليهم أبناءهم أو الحصول على معلومة تنهي حالة الغموض التي تستنزفهم نفسيا.

وفي غزة، تتضاعف هذه المعاناة مع استمرار صعوبة الوصول إلى أماكن فقدان الأشخاص وغياب القدرة على التحقق من مصير كثير منهم.

منذ أن فقدت الحاجة أم محمود شعبان آثار ابنها محمود في مخيم جباليا خلال شهر ديسمبر/ كانون الأول 2023، لم يعد يومها يشبه ما كان عليه قبل ذلك. تقول أم محمود إن غياب ابنها ترك فراغا لا تستطيع الكلمات وصفه وإنها تعيش منذ ذلك الوقت على وقع سؤال واحد يتكرر في ذهنها كل صباح ومساء: أين محمود وماذا حل به؟ وتؤكد أن عدم وجود إجابة واضحة هو الجزء الأصعب في هذه المحنة.

وتروي أن الانتظار أصبح جزءا من حياتها وأنها لا تزال تتمسك بكل احتمال يمكن أن يقود إلى خبر عن ابنها. فكل معلومة تسمعها عن مفقود عُثر عليه تعيد إليها شيئا من الأمل، وكل قصة عن شخص عاد إلى عائلته بعد غياب طويل تجعلها تتخيل لحظة عودة محمود إليها.
وتقول إن قلب الأم لا يستطيع أن يتعامل مع الغياب على أنه نهاية ما لم تعرف الحقيقة بنفسها.

ورغم مرور سنوات على فقدانه، تؤكد أم محمود أنها لم تتخلَّ عن أملها في عودته وأنها ما زالت تنتظر اليوم الذي تراه فيه أمامها من جديد.

وتشير إلى أن أصعب ما تعيشه هو أن تظل معلقة بين احتمالين، فلا تستطيع أن تحزن عليه كما تفعل من فقدت ابنها ولا تستطيع أن تطمئن إلى أنه حي. وبين هذا الأمل والخوف، تستمر في البحث عن أي خبر قد يقودها إلى مصيره.

ويقول إبراهيم أبو سعدة، ابن عم المفقود غسان، إن العائلة تعيش منذ الأسابيع الأولى للحرب حالة من القلق المتواصل، بعدما فقدت آثاره في منطقة التوام شمال قطاع غزة.

ويصف تلك اللحظة بأنها كانت بداية مرحلة طويلة من الانتظار، لم تعرف خلالها الأسرة ما إذا كان غسان قد نجا أو أصيب أو أصبح من بين الضحايا الذين لم يتمكن أحد من الوصول إليهم.

ويضيف إبراهيم: "غياب أي معلومة مؤكدة جعل معاناة العائلة أكثر قسوة، فالوقت يمر لكن السؤال بقي من دون إجابة".

ويوضح أن الأسرة حاولت الاستفسار والبحث عبر كل الطرق الممكنة إلا أن الظروف الميدانية وصعوبة الوصول إلى المناطق التي شهدت عمليات عسكرية واسعة جعلت الوصول إلى الحقيقة أمرا بالغ الصعوبة. ويؤكد أن كل فرد في العائلة يعيش تفاصيل هذا الغياب بطريقته، لكن الجميع يشتركون في الألم نفسه.

ويشير أبو سعدة إلى أن حالة الانتظار تستنزف الأسرة نفسيا لأن المفقود لا يملك أهله حتى حق الحزن عليه أو توديعه. ويقول إنهم يتمسكون بالأمل رغم قسوته ويواصلون انتظار أي معلومة يمكن أن تكشف مصير غسان، مؤكدا أن معرفة الحقيقة مهما كانت مؤلمة، تبقى أرحم من الغموض الذي تعيشه العائلة منذ بداية الحرب.
آلاف المفقودين

بدوره، يقول رئيس لجنة المفقودين في قطاع غزة، عمر نوفل، إن نحو 5500 شخص ما زالوا مجهولي المصير منذ بدء الحرب، في ظل ظروف ميدانية وإنسانية تجعل الوصول إلى معلومات دقيقة عنهم مهمة شديدة التعقيد.
وأوضح نوفل أن الحالات لا تتشابه جميعها، إذ تشمل أشخاصا يعتقد أنهم لقوا حتفهم في المناطق الواقعة ضمن ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" والخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، إلى جانب آخرين لا تزال المعلومات بشأن مصيرهم غائبة.

ولفت إلى أن ملف المفقودين يرتبط بصورة مباشرة بصعوبة الوصول إلى المناطق التي شهدت عمليات عسكرية ودمارا واسعا، الأمر الذي يعرقل عمليات البحث والتحقق وانتشال الجثامين.

وفي ظل هذه الظروف، تبقى عائلات كثيرة من دون معلومات حاسمة تمكنها من معرفة مصير أبنائها، فيما يستمر البحث وسط إمكانات محدودة وواقع ميداني بالغ التعقيد.

وأضاف أن حجم المأساة يصبح أكبر مع وجود نحو 15 ألف شخص صدرت بحقهم شهادات وفاة، بينما لا تزال جثامينهم تحت الأنقاض. وأشار إلى أن الوصول إلى هذه الجثامين يواجه عقبات كبيرة، من بينها نقص الآليات والمعدات الثقيلة، فضلا عن القيود التي تحد من قدرة فرق الدفاع المدني والإغاثة على العمل في عدد من مناطق القطاع.

وهكذا، لا يعيش أهالي المفقودين في غزة مأساة الغياب وحدها وإنما يعيشون معها انتظارا لا يعرفون متى ينتهي. فالأم التي تنتظر ابنها والعائلة التي تبحث عن قريبها، لا تطلب سوى معلومة واضحة تضع حدا للقلق.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00