في 27 آب/أغسطس من كل عام، يحيي الفلسطينيون اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء الفلسطينيين والعرب، في مناسبة أقرها مجلس الوزراء الفلسطيني عام 2008، بهدف إبقاء قضية الجثامين المحتجزة والمفقودين حاضرة، والمطالبة بالكشف عن مصيرهم وتمكين عائلات الشهداء من استرداد جثامين أبنائها ودفنها بكرامة.
وتكتسب المناسبة هذا العام أهمية مضاعفة، في ظل ارتفاع أعداد الجثامين المحتجزة لدى سلطات الاحتلال، إلى جانب آلاف المفقودين في قطاع غزة منذ بدء الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023.
799 شهيدًا معلومة هوياتهم
وبحسب أحدث معطيات الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء ومؤسسات الأسرى، المنشورة عشية المناسبة، فإنها توثق أسماء 799 شهيدًا معلومة الهوية، فيما كشفت وسائل إعلام عبرية عن احتجاز نحو 1700 جثمان لدى سلطات الاحتلال، تشمل جثامين محفوظة في الثلاجات وأخرى مدفونة في مقابر الأرقام.
ومن بين الـ799 شهيدًا الموثقة أسماؤهم:
256 شهيدًا محتجزون في «مقابر الأرقام».
99 شهيدًا من الأسرى.
81 طفلًا تقل أعمارهم عن 18 عامًا.
10 شهيدات.
وتؤكد المؤسسات أن هذه الأرقام ليست نهائية، خصوصًا في ظل عدم اكتمال توثيق الضحايا في قطاع غزة واستمرار وجود آلاف المفقودين.
وتشير معطيات أخرى نشرتها مؤسسات الأسرى إلى أن إجمالي الجثامين التي توثقها الحملة في مقابر الأرقام والثلاجات يبلغ نحو 800 جثمان، بينها 544 شهيدًا محتجزين منذ عودة سياسة احتجاز الجثامين عام 2015.
1700 جثمان منذ حرب غزة؟
في تطور لافت، كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية خلال أغسطس/آب الجاري عن اعتراف سلطات الاحتلال باحتجاز نحو 1700 جثمان، وهو رقم يفوق بكثير قاعدة البيانات الفلسطينية الخاصة بالجثامين المعلومة الهوية.
وتقول الحملة ومؤسسات الأسرى إن هذا الرقم قد يشمل فلسطينيين استشهدوا خلال الحرب على غزة، إضافة إلى جثامين لم تُوثق هويات أصحابها بعد، ولذلك لا يمكن التعامل مع الرقمين 799 و1700 باعتبارهما مجموعتين منفصلتين؛ فالأول يمثل أسماء وهويات موثقة لدى المؤسسات الفلسطينية، بينما يشير الثاني إلى تقدير أوسع للجثامين المحتجزة.
وفي 25 أغسطس/آب، قال رئيس نادي الأسير الفلسطيني عبد الله الزغاري إن سلطات الاحتلال تحتجز، وفق ما تم توثيقه، نحو 1900 جثمان لشهداء من قطاع غزة، مع استمرار عدم الكشف عن مصيرهم أو تقديم معلومات لعائلاتهم. ويعكس اختلاف الأرقام بين المصادر حجم صعوبة التوثيق، خصوصًا في غزة، حيث لا تزال آلاف الحالات مجهولة المصير.
800 جثمان.. ماذا حدث منذ 2015؟
تعود إحدى المحطات الرئيسية في السياسة الحالية إلى عام 2015، عندما عادت سلطات الاحتلال إلى احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين، بعد إعلان سابق أمام المحكمة العليا أنها ستتوقف عن هذه الممارسة.
وتقول الحملة الوطنية إن 544 شهيدًا من أصل نحو 800 جثمان موثق حاليًا محتجزون منذ عودة هذه السياسة عام 2015. كما تتضمن القائمة أسرى وأطفالًا ونساء.
وكانت المحكمة العليا الإسرائيلية قد أصدرت في مراحل سابقة قرارات بشأن تسليم عدد من الجثامين، إلا أن عملية التسليم توقفت لاحقًا، فيما استمرت سياسة الاحتجاز بموجب قرارات أمنية إسرائيلية.
ما هي «مقابر الأرقام»؟
تُعرف «مقابر الأرقام» بأنها مواقع دفن عسكرية مغلقة تُدفن فيها جثامين فلسطينيين وعرب، ويُستعاض عن أسماء أصحابها بأرقام مثبتة على لوحات معدنية.
وتقول المؤسسات الفلسطينية إن سلطات الاحتلال لم توفر، في حالات عديدة، معلومات كاملة للعائلات بشأن هوية المتوفين أو أماكن دفنهم، فيما كشفت عمليات استرداد سابقة عن صعوبة التعرف إلى بعض الجثامين.
ومن الأمثلة على طول فترة الاحتجاز، استرداد جثمان مشهور العاروري بعد احتجاز دام 34 عامًا، وجثمان حافظ أبو زنط بعد نحو 35 عامًا، وفق بيانات فلسطينية.
غزة.. الجثامين والمفقودون
لا تقتصر القضية على الجثامين التي كانت محتجزة قبل الحرب؛ فقد أدت الحرب على قطاع غزة إلى اتساع أزمة المفقودين والجثامين مجهولة المصير.
وذكرت الحملة الوطنية أنها وثقت حتى 4 فبراير/شباط 2026 تسليم جثامين 930 شهيدًا من قطاع غزة، بينها جثامين قالت إنها كانت قد سُرقت من مقابر ومن مستشفى الشفاء، إضافة إلى تسليم 66 صندوقًا تضم أشلاء بشرية.
لكن المؤسسات الفلسطينية تؤكد أن هذه الأرقام لا تعكس الحجم النهائي للضحايا الذين لا يزال مصيرهم مجهولًا، بسبب استمرار صعوبة الوصول إلى مناطق واسعة من القطاع، ووجود آلاف المفقودين تحت الأنقاض أو في أماكن لم يتمكن ذووهم وفرق البحث من الوصول إليها.
ماذا يقول القانون الدولي؟
لا تتعامل قواعد القانون الدولي الإنساني مع جثامين القتلى باعتبارها مجرد بقايا بشرية، بل تفرض احترام الموتى وحماية قبورهم والعمل على تحديد هوياتهم وتسليم رفاتهم وفق القواعد المعمول بها.
وتنص المادة 17 من اتفاقية جنيف الأولى على دفن الموتى بصورة لائقة واحترام قبورهم والحفاظ عليها، بينما تنص المادة 130 من اتفاقية جنيف الرابعة على دفن المتوفين من المعتقلين بصورة مشرفة، واحترام قبورهم وتمييزها بما يسمح بالتعرف إليها. كما تتضمن قواعد القانون الدولي الإنساني أحكامًا بشأن إعادة الرفات والممتلكات الشخصية إلى ذوي المتوفين.
وفي توصيات أممية حديثة، دعت لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى إعادة جثامين الأطفال الفلسطينيين وغيرهم من الضحايا إلى عائلاتهم وإنهاء ممارسة احتجاز الجثامين.
كما سبق للجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان أن دعت إلى إعادة جثامين الفلسطينيين الذين لم تُسلّم رفاتهم إلى أقاربهم، بما يسمح بدفنهم وفق تقاليدهم ومعتقداتهم.
ليس يومًا للجثامين فقط
بالنسبة إلى عائلات الشهداء، لا ينتهي الفقد بوفاة الابن أو الزوج أو الأب؛ إذ يتحول غياب الجثمان إلى حالة مستمرة من الانتظار، فلا جنازة ولا قبر ولا مكان يمكن للعائلة أن تزوره.
ولهذا ترفع المؤسسات الفلسطينية في 27 آب/أغسطس مطالب تتجاوز استرداد الجثامين إلى الكشف عن مصير المفقودين، وتحديد هويات الضحايا، وتوثيق ظروف وفاتهم، وضمان دفنهم بصورة لائقة، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات.
وفي فعاليات هذا العام، خصصت المؤسسات الفلسطينية رسائل إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، للمطالبة بالضغط من أجل تسليم الجثامين والكشف عن مصير المفقودين.
وهكذا، يتحول 27 آب/أغسطس من مجرد ذكرى وطنية إلى مناسبة لتذكير العالم بأن حق الإنسان في الكرامة لا ينتهي بموته، وأن حق العائلة في معرفة مصير ابنها ووداعه ودفنه ليس مطلبًا سياسيًا، بل حق إنساني وقانوني أساسي.
799 اسمًا موثقًا، نحو 800 جثمان في قاعدة بيانات الحملة، وتقديرات إسرائيلية تصل إلى 1700 جثمان، وأرقام أخرى تتحدث عن نحو 1900 جثمان من غزة وحدها؛ وبين هذه الأرقام تبقى آلاف العائلات معلقة بين الفقد والانتظار، في واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تعقيدًا وإيلامًا في القضية الفلسطينية.