قائمة الموقع

لماذا تصعّد إسرائيل من إجراءاتها ضد الأونروا في القدس؟

2026-08-26T17:27:00+03:00
الرسالة نت - خاص

يمثل اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي مجمع معهد قلنديا للتدريب المهني التابع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في كفر عقب، وإخلاء موظفيه والشروع في إجراءات للسيطرة عليه وهدم منشآته، محطة جديدة في مسار متصاعد يستهدف وجود الوكالة في القدس.
 ولم تعد القضية مرتبطة بإغلاق مؤسسة أو تعطيل خدمة، بل باتت تتصل بمحاولة إعادة تشكيل الحضور الأممي في المدينة وفرض واقع سياسي ومؤسسي جديد على الأرض. وقد أكدت مصادر فلسطينية احتجاز نحو 40 موظفًا ومتواجدًا داخل المجمع والتحقيق معهم خلال العملية، فيما أعلنت إسرائيل أن الإخلاء جاء بتوجيه حكومي مباشر. 

من التضييق إلى السيطرة الميدانية
التصعيد الحالي يبدو جزءًا من مسار تراكمي. فخلال العام الجاري تعرض معهد قلنديا لاقتحامات متكررة، وقالت «الأونروا» إن المنشأة، التي كانت آخر منشآتها العاملة في القدس، تعرضت لخمس عمليات اقتحام منذ بداية 2026. وفي موازاة ذلك، أُغلق المقر الرئيسي للوكالة في الشيخ جراح، كما طالت الإجراءات مدارس وعيادات تابعة لها في المدينة. 

هذا التسلسل يكشف تحولًا في طبيعة السياسة الإسرائيلية من محاولة تقييد نشاط الوكالة قانونيًا وإداريًا، إلى تفكيك بنيتها المادية على الأرض. وبمعنى آخر، لا يجري التعامل مع «الأونروا» باعتبارها مؤسسة تقدم خدمات للاجئين فحسب، وإنما باعتبارها حضورًا دوليًا فلسطيني الصلة تسعى إسرائيل إلى إنهائه في القدس.

لماذا القدس تحديدًا؟
تكمن أهمية القدس في أنها ليست مجرد إحدى مناطق عمل الوكالة، بل مدينة تقع في قلب الصراع السياسي والقانوني الفلسطيني الإسرائيلي. وبالتالي فإن إنهاء وجود «الأونروا» فيها يحمل قيمة رمزية وسياسية كبيرة.

إسرائيل تسعى منذ سنوات إلى تعزيز سيطرتها على منطقة شرقي القدس ودمج مؤسساتها ضمن منظومة السيطرة الإسرائيلية.
 وفي هذا السياق، يشكل استمرار مؤسسة أممية تقدم خدمات للاجئين وتعمل ضمن تفويض صادر عن الأمم المتحدة عنصرًا يصعب دمجه في هذه الرؤية. ولذلك يمكن فهم التضييق على الوكالة كجزء من محاولة تقليص كل حضور مؤسسي لا يخضع للمنظومة الإسرائيلية في المدينة.

كما أن إخراج «الأونروا» من القدس يبعث برسالة تتجاوز المدينة نفسها: إذا أمكن فرض إنهاء عمل الوكالة في القدس، فإن ذلك يمكن أن يشكل نموذجًا لإضعاف وجودها في مناطق أخرى، أو على الأقل تقليص قدرتها على أداء وظائفها بصورة مستقلة.

البعد الأهم: قضية اللاجئين
السبب الأكثر حساسية وراء استهداف «الأونروا» لا يرتبط بالخدمات وحدها. فالوكالة تمثل في الوعي السياسي الفلسطيني أحد أبرز مظاهر استمرار قضية اللاجئين على المستوى الدولي.

وعليه، فإن إغلاق المدارس والعيادات ومراكز التدريب التابعة لها لا يعني فقط حرمان اللاجئين من خدمات تعليمية وصحية ومهنية، بل يساهم أيضًا في إضعاف البنية المؤسسية التي ارتبطت تاريخيًا بقضية اللجوء الفلسطيني.

وهنا تبرز معادلة سياسية مهمة وهي أن تقليص حضور «الأونروا» لا ينهي قضية اللاجئين قانونيًا، لكنه قد يهدف إلى تقليل حضورها في الحياة اليومية وإعادة صياغة القضية باعتبارها ملفًا إنسانيًا قابلًا للإدارة بدل كونها قضية سياسية مرتبطة بحقوق اللاجئين وحل نهائي للصراع.
التوقيت يحمل دلالة إضافية. فالتصعيد ضد معهد قلنديا يأتي بعد دخول إجراءات إسرائيلية تستهدف نشاط «الأونروا» في القدس حيز التنفيذ، وبعد إغلاق عدد من منشآتها. كما أن الانتقال إلى الإخلاء الفعلي لمجمع كبير ورفع العلم الإسرائيلي داخله، وفق تقارير فلسطينية، يشير إلى أن المسار لم يعد يقتصر على الضغط على الوكالة، وإنما بات يستهدف السيطرة على الأصول والمنشآت نفسها. 
ويبدو أن إسرائيل تراهن في ذلك على محدودية القدرة الدولية على تحويل الاعتراض السياسي إلى إجراءات عملية. فقد سبق أن طالبت الأمم المتحدة بوقف هدم منشآت تابعة للوكالة في الشيخ جراح وإعادتها، إلا أن الإجراءات على الأرض استمرت.

وهذا يخلق ما يمكن وصفه بسياسة «الأمر الواقع» كل خطوة منفردة قد تواجه بإدانة دولية، لكن تراكم الخطوات يحول الوضع تدريجيًا إلى واقع جديد يصعب عكسه.

صراع على الوظيفة وليس المبنى
معهد قلنديا يقدم مثالًا واضحًا على طبيعة هذا الصراع. فالمنشأة ليست مجرد عقار تابع للأمم المتحدة، بل مركز للتعليم والتدريب المهني استفاد منه اللاجئون الفلسطينيون لعقود. ولذلك فإن السيطرة عليه تضرب وظيفتين في الوقت نفسه: الوظيفة الخدمية التي تقدمها الوكالة، والوظيفة الرمزية المرتبطة باستمرار حضورها.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التصعيد الإسرائيلي باعتباره سياسة متعددة المستويات: إضعاف قدرة «الأونروا» على تقديم الخدمات، تقليص وجودها الجغرافي، الضغط على موظفيها، وإظهار أن المؤسسات الدولية في القدس يمكن أن تخضع للقرارات الإسرائيلية على الأرض، حتى عندما تؤكد الوكالة أن منشآتها تتمتع بحصانات الأمم المتحدة. وقد وصفت «الأونروا» اقتحام مركز قلنديا بأنه غير مقبول، وشددت على أن المنشأة تابعة للأمم المتحدة وتتمتع بالحماية بموجب القانون الدولي. 
إلى أين يقود المسار؟
المؤشر الأبرز في التطورات الأخيرة هو انتقال المواجهة من مرحلة «هل تستطيع الأونروا العمل في القدس؟» إلى سؤال أكثر خطورة: «هل ستبقى لها منشآت أصلًا في المدينة؟».

فإغلاق المقر، وتعطيل المدارس والعيادات، ثم استهداف آخر منشأة تشغيلية رئيسية، يعني أن الوجود المؤسسي للوكالة في القدس يتعرض للتفكيك قطعةً قطعة. وإذا استمر المسار دون رد دولي عملي، فإن إسرائيل قد تتمكن من فرض واقع تكون فيه «الأونروا» موجودة نظريًا بتفويض أممي، لكنها عاجزة ميدانيًا عن ممارسة جزء أساسي من هذا التفويض في القدس.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00