لم تعد قضية الطائرات الورقية التي يحلق بها أطفال قطاع غزة مجرد تفصيل عابر في سياق المواجهة المتواصلة، بعدما تحولت إلى مادة سياسية وإعلامية أثارت انتقادات أوروبية ودولية واسعة. فقد تفاعلت منظمات ومؤسسات تضامن أوروبية، خصوصاً في فرنسا وأيرلندا، مع التهديدات الإسرائيلية المتعلقة بالطائرات الورقية، معتبرة أن تحويل لعبة أطفال إلى قضية أمنية لا ينفصل عن سياسة أوسع تستهدف المدنيين الفلسطينيين وتوفر ذرائع لاستمرار التصعيد.
وتكتسب هذه المواقف أهمية سياسية وإعلامية لأنها جاءت من بيئات مختلفة: صحف أوروبية، ومنظمات مجتمع مدني، ومؤسسات تضامن، إضافة إلى مواقف أممية. وهو ما يعكس انتقال القضية من كونها جزءاً من الخطاب الفلسطيني حول معاناة غزة إلى موضوع حاضر في النقاش العام الأوروبي حول سلوك الاحتلال تجاه المدنيين.
من لعبة ورقية إلى قضية حقوقية
تناولت وسائل إعلام أوروبية، من بينها صحيفة El País الإسبانية وRaiNews الإيطالية، قضية الطائرات الورقية ومنع أطفال غزة من اللعب بها، في سياق تناولها للتصعيد الإسرائيلي في القطاع.
وتكمن أهمية التغطية الإعلامية الأوروبية في أنها تضع المشهد أمام الرأي العام الغربي من زاوية مختلفة عن الرواية الأمنية الإسرائيلية. فالطائرة الورقية، بوصفها لعبة مرتبطة بالطفولة والمساحات المفتوحة، تصبح رمزاً للمفارقة التي يعيشها أطفال غزة: مساحة محدودة ومحاصرة، وطفولة مهددة، وحتى اللعب يمكن أن يتحول إلى مصدر خوف. وتهديد وتبرير للقصف والاستهداف.
ومن الناحية السياسية، فإن إبراز هذه الصورة في الإعلام الأوروبي يفتح نقاشاً أوسع حول مدى شرعية تحويل أي فعل مدني إلى مبرر للتصعيد العسكري.
أيرلندا وفرنسا: تضامن يتجاوز الخطاب التقليدي
في أيرلندا، نشرت منظمة Sadaka التي تعمل في مجال المناصرة السياسية والحقوقية للقضية الفلسطينية، مواداً حول التهديدات الإسرائيلية للغزيين بالقتل والتهجير بسبب الطائرات الورقية، في موقف يضع القضية ضمن إطار حماية المدنيين ورفض التهجير.
أما منظمة (UJFP)، وهي منظمة يهودية فرنسية مناهضة للاحتلال، فقد تناولت القضية في تحقيق لها، بما يحمل دلالة سياسية مهمة؛ إذ يؤكد أن الاعتراض على سياسات الحكومة الإسرائيلية لا يأتي بالضرورة من خارج المجتمعات اليهودية الأوروبية، وإنما يوجد أيضاً داخلها تيار يرفض الاحتلال وسياساته تجاه الفلسطينيين.
وفي السياق ذاته نشرت (ISM-France) وهي حركة تضامن سياسية مع القضية الفلسطينية بعنوان يربط تهديدات وزير الحرب الإسرائيلي وبنيامين نتنياهو بالطائرات الورقية، معتبرة أن الأمر يمثل ذريعة مصطنعة لاستئناف القتل.
وتشير هذه المواقف مجتمعة إلى أن قضية الطائرات الورقية استطاعت اختراق النقاش السياسي الأوروبي لأنها تختزل، بصورة شديدة الوضوح، التناقض بين الخطاب الأمني الإسرائيلي وواقع المدنيين الفلسطينيين.
الأمم المتحدة: «ذريعة» تثير سؤال القانون الدولي
أحد أبرز المواقف جاء خلال مؤتمر صحفي في جنيف، عندما سأل أحد الصحفيين المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، رافينا شمداساني، عن الذريعة الإسرائيلية المرتبطة بالطائرات الورقية وتهديد السكان بالإخلاء.
وقد وصفت شمداساني التهديد بإجلاء السكان بسبب الطائرات الورقية بأنه أمر شائن، في موقف يعكس حساسية المسألة من منظور حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
وتتجاوز أهمية هذا الموقف توصيف حادثة بعينها؛ إذ يطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى مشروعية استخدام ذرائع أمنية لتبرير إجراءات تمس السكان المدنيين، خصوصاً في منطقة مكتظة ومحاصرة مثل قطاع غزة.
وتأخذ القضية بعداً أكثر قسوة عند وضعها في سياق الحرب الطويلة التي تعرض لها أطفال غزة، الذين دفعوا ثمناً باهظاً نتيجة القصف والحصار والتجويع والدمار.
فالطفل الذي يخشى أن يخرج للعب بالطائرة الورقية خوفاً من القصف يعيش واقعاً يتجاوز الحرمان من لعبة. إنه يُحرم من الإحساس الأساسي بالأمان، ومن الحق في ممارسة طفولته بصورة طبيعية.
وتزداد أهمية القضية في ضوء ما نُقل عن الجيش الإسرائيلي من أن الطائرات الورقية التي عُثر عليها لم تكن تحمل مواد حارقة، في الوقت الذي قابلت فيه الحكومة الإسرائيلية هذه الظاهرة بتهديدات بالقصف والإخلاء، قبل أن تتبع ذلك باستئناف القصف والاغتيالات والغارات والانتهاكات التي لم تتوقف منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة اكتوبر 2025