لم تعد القضية الفلسطينية داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية، أو قضية تحشد الناشطين التقدميين والناخبين العرب والمسلمين، بل تتحول تدريجياً إلى عامل مؤثر في تشكيل مواقف القاعدة الديمقراطية واختياراتها الانتخابية.
ومع اقتراب الاستعدادات للانتخابات الرئاسية التمهيدية لعام 2028، تشير استطلاعات حديثة وانتخابات تمهيدية في عدد من الولايات إلى أن الموقف من إسرائيل وغزة بات جزءاً من الصراع على هوية الحزب ومستقبل سياسته الخارجية.
ويأتي ذلك في وقت أظهر فيه استطلاع أجراه مشروع السياسات التابع لمعهد فهم الشرق الأوسط، بالتعاون مع YouGov، وشمل نحو 4 آلاف ناخب ديمقراطي محتمل في ست ولايات ستشارك مبكراً في السباق التمهيدي، تأييداً واسعاً لوقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل وفرض قيود على توريد الأسلحة إليها. وشملت الدراسة ساوث كارولاينا ونيفادا ونيوهامبشاير ونيو مكسيكو وميشيغان وفيرجينيا.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ساوث كارولاينا، التي قررت اللجنة الوطنية الديمقراطية جعلها أول ولاية في السباق التمهيدي لعام 2028، رغم صورتها التقليدية باعتبارها أكثر اعتدالاً من قواعد ديمقراطية أخرى. فقد أظهر الاستطلاع أن نحو ثلثي الناخبين الديمقراطيين في الولاية يفضلون مرشحاً رئاسياً يتعهد بوقف تزويد إسرائيل بالأسلحة. وفي نيفادا، أيد 74% وقف المساعدات العسكرية، فيما وصلت النسبة في ولايات أخرى، بينها ميشيغان ونيوهامبشاير ونيو مكسيكو، إلى نحو ثلاثة أرباع الناخبين.
تحول أعمق للقاعدة الديمقراطية
ولا يقتصر التحول على مسألة المساعدات. فقد أظهرت النتائج أن نسبة كبيرة من الديمقراطيين باتت تصف العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة بأنها إبادة جماعية، حيث بلغت النسبة 80% في ميشيغان و78% في نيفادا، بينما تجاوزت 70% في ولايات أخرى. وحتى في الولايات الأكثر ميلاً إلى الاعتدال داخل الحزب، لم تعد هذه المواقف هامشية.
هذه الأرقام تعكس تحولاً أعمق في طريقة تعريف جزء متزايد من القاعدة الديمقراطية للصراع. فبدلاً من النظر إلى القضية باعتبارها خلافاً بين إسرائيل والفلسطينيين يمكن للولايات المتحدة إدارته من خلال دعم إسرائيل والدفع نحو حل الدولتين، يتزايد الاعتقاد بأن واشنطن نفسها أصبحت طرفاً في المعادلة، خصوصاً عندما يستمر الدعم العسكري والسياسي الأمريكي لإسرائيل.
ويظهر هذا التحول بوضوح في الانتخابات التمهيدية لعام 2026. فقد شكّل فوز عبد الرحمن "عبدول" السيد في السباق الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ميشيغان مؤشراً بارزاً على قدرة المرشحين الذين يتبنون خطاباً أكثر صراحة بشأن غزة والسياسة الخارجية على منافسة مرشحي المؤسسة.
ولم تعد القضية الفلسطينية محصورة في الدوائر ذات الكثافة العربية والمسلمة، بل دخلت ضمن خطاب أوسع يربط الحرب بالإنفاق العسكري، ونفوذ جماعات الضغط، وأولوية القضايا الداخلية.
وفي الوقت نفسه، شهد الحزب الديمقراطي صعود مرشحين تقدميين في ولايات ومناطق مختلفة، تبنوا مواقف أكثر انتقاداً لإسرائيل، بما في ذلك الدعوة إلى وقف تسليحها ووصف ما يجري في غزة بأنه إبادة جماعية. وتكشف هذه الانتخابات أن فلسطين أصبحت قادرة على أن تكون جزءاً من ائتلاف انتخابي تقدمي أوسع، لا مجرد قضية تخص مجموعة عرقية أو دينية بعينها.
فصل يهود أميركا عن دعم اسرائيل
ويبرز في هذا السياق أيضاً التحول داخل المجتمع اليهودي الأمريكي. فصورة اليهود الأمريكيين باعتبارهم كتلة سياسية متجانسة في دعم إسرائيل أصبحت أقل دقة. فبينما لا يزال الارتباط بإسرائيل قوياً لدى قطاعات واسعة، تتزايد الانتقادات الموجهة إلى الحكومة الإسرائيلية وسياساتها، خصوصاً بين الشباب والعلمانيين واليهود التقدميين. كما لعبت منظمات داعمة دوراً في فصل الهوية اليهودية عن التأييد غير المشروط للحكومة الإسرائيلية.
وهذا التحول له أهمية انتخابية كبيرة؛ لأنه يضعف إحدى الحجج التقليدية التي تربط انتقاد السياسة الإسرائيلية بمعاداة إسرائيل أو معاداة اليهود. فحين يأتي النقد من داخل المجتمع اليهودي الأمريكي نفسه، يصبح من الأسهل على المرشحين الديمقراطيين تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه الاحتلال والمساعدات العسكرية دون الخشية من خسارة كامل القاعدة المؤيدة لإسرائيل.
مع ذلك، فان هذا التحول لا زال في بداياته فالحزب الديمقراطي لم يتحول إلى حزب مؤيد للفلسطينيين بالمعنى الكامل، ولا تزال داخله كتلة كبيرة تؤيد التحالف مع إسرائيل وتعتبر أمنها مصلحة استراتيجية أمريكية. كما أن بعض الناخبين الذين يرفضون الحرب في غزة لا يرفضون بالضرورة وجود إسرائيل أو العلاقة الأمريكية معها، بل يعارضون حكومة بنيامين نتنياهو أو طريقة إدارة الحرب.
وهنا تكمن نقطة الاختبار الأساسية للفلسطينيين والعرب. فإذا كان جزء من التحول الديمقراطي مرتبطاً بشخص نتنياهو أو بسياسات حكومته الحالية، فإن تغير القيادة الإسرائيلية قد يسمح بإعادة بناء جزء من العلاقة التقليدية مع الحزب الديمقراطي. ولذلك فإن تحويل اللحظة الراهنة إلى تحول سياسي دائم يتطلب نقل النقاش من الأشخاص إلى البنية: الاحتلال، والاستيطان، وحق تقرير المصير، وشروط المساعدات العسكرية الأمريكية، والمسؤولية الأمريكية عن استمرار الوضع القائم.
أما مقارنة هذا المسار بالحزب الجمهوري، فتظهر اختلافاً مهماً. فهناك بالفعل تململ جمهوري متزايد من الحروب الخارجية وتكاليفها، خصوصاً بين بعض الشباب المحافظين وأنصار شعار "أمريكا أولاً"، لكن هذا الاعتراض لا يعني بالضرورة تبنياً للرواية الفلسطينية أو رفضاً للاحتلال. الخلاف داخل اليمين يدور غالباً حول كلفة التدخل الأمريكي وجدواه، بينما يتجه النقاش داخل القاعدة الديمقراطية بصورة متزايدة إلى سؤال أخلاقي وسياسي أعمق حول طبيعة العلاقة الأمريكية بإسرائيل وحقوق الفلسطينيين.