انتقد الخبير في القانون الدولي الدكتور أنيس قاسم التوجه لإجراء الانتخابات الفلسطينية، واصفاً إياها بأنها «انتخابات هزلية» تهدف، إلى إعادة إحياء ومنح الشرعية لسلطة أوسلو، في وقت اعتبر فيه أن هذه السلطة فقدت شرعيتها منذ زمن طويل، ولم تعد الانتخابات المقترحة قادرة على معالجة أزمة التمثيل السياسي الفلسطيني أو استعادة الثقة بالمؤسسات القائمة.
وقال قاسم في حديث خاص مع "الرسالة نت"، إن النظر إلى الانتخابات المرتقبة يجب أن ينطلق من طبيعة الهدف الذي يراد تحقيقه منها والظروف السياسية التي ستجري في إطارها، معتبراً أن ما يجري لا يمثل استحقاقاً ديمقراطياً حقيقياً بقدر ما هو محاولة لإعادة إنتاج واقع سياسي قائم.
وأضاف أن سنوات طويلة مضت دون أن تتمكن هذه السلطة من اكتساب الشرعية التي تبحث عنها اليوم من خلال صناديق الاقتراع.
ورأى أن الانتخابات، بهذه الصورة، ستكون «انتخابات بائسة ولا قيمة لها»، معتبراً أن الأزمة لا تتعلق فقط بإجراء عملية انتخابية أو تحديد موعد لها، وإنما بالسياق السياسي الذي ستجري فيه والمرجعية التي تحكمها والنتائج التي يراد الوصول إليها من خلالها.
وفي سياق حديثه عن شمول العملية الانتخابية للشعب الفلسطيني، قال قاسم إن الفلسطينيين في الشتات حُرموا، انسجاماً مع «متطلبات أوسلو التدميرية»، من المشاركة في الانتخابات التشريعية والرئاسية، وهو ما يشكل، أحد أبرز أوجه الخلل في أي عملية انتخابية يجري الحديث عنها.
وأوضح أن الانتخابات من أساسها تقوم على تجزئة الشعب الفلسطيني بين فلسطينيي الداخل وفلسطينيي الخارج، فيما يعاني الفلسطينيون في الداخل أنفسهم من مزيد من التقسيم بين فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.
وقال إن هذا الواقع يجعل من العملية الانتخابية، بصيغتها المطروحة، «مهزلة يقصد بها تكريس هذا التشتيت الفلسطيني»، بدلاً من أن تكون أداة لتوحيد الشعب الفلسطيني ومؤسساته السياسية وتمثيل جميع مكوناته وأماكن وجوده ضمن إطار وطني جامع.
وأشار قاسم إلى أن الشعب الفلسطيني لا يقتصر على سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، وإنما يمتد وجوده إلى القدس والداخل الفلسطيني ومخيمات وتجمعات اللجوء والشتات في مختلف أنحاء العالم، الأمر الذي يفرض، برأيه، التفكير في آلية تمثيل سياسي تشمل جميع الفلسطينيين ولا تعيد إنتاج الانقسام الجغرافي والسياسي القائم.
وفي ما يتعلق بالتعيينات التي جرت للمجلس الوطني الفلسطيني، اعتبر قاسم أن هذا النهج ينسجم مع ما وصفه بأنه أسلوب متبع تاريخياً في إدارة المؤسسات الفلسطينية، قائلاً إن رئيس السلطة محمود عباس «لا يتحمل موضوع الانتخابات»، ولا يرغب في وصول عناصر أو شخصيات لا تكون «على مقاسه أو مقاس سلطة الاحتلال».
وأضاف أن اللجوء إلى التعيينات بدلاً من الانتخابات يعكس، مشكلة أعمق تتعلق بطريقة تشكيل المؤسسات الوطنية الفلسطينية ومدى قدرتها على تمثيل مختلف القوى والتيارات السياسية، بعيداً عن الإقصاء أو احتكار القرار.
وفي المقابل، رأى الخبير في القانون الدولي أن الانتخابات الخاصة بالمجلس الوطني الفلسطيني تمثل الخيار الأمثل من حيث المبدأ، نظراً إلى طبيعة المجلس ودوره المفترض بوصفه الإطار الجامع للشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده.
وقال إن المجلس الوطني الفلسطيني يجب أن يكون «المظلة الحامية لكل الشعب الفلسطيني بغض النظر عن أماكن تواجده»، ولذلك فإن تشكيله عبر عملية انتخابية حقيقية وشاملة سيكون، من الناحية المبدئية، أكثر انسجاماً مع دوره التمثيلي وطبيعة الشعب الفلسطيني المنتشر بين الوطن والشتات.
لكنه استدرك بأن الواقع الحالي لا يوفر الأنظمة والآليات التي تسمح بإجراء انتخابات شاملة للمجلس الوطني الفلسطيني في مختلف أماكن وجود الفلسطينيين، الأمر الذي يفرض، التوصل إلى توافق وطني شامل حول آلية تمثيل الشعب الفلسطيني بكل أطيافه السياسية واختلاف مناطق وجوده.
وشدد قاسم على ضرورة العمل على انتداب ممثلين للجاليات والتجمعات الفلسطينية في الشتات، إلى جانب تمثيل الفلسطينيين في الداخل، بما يضمن مشاركة مختلف المكونات في إعادة تشكيل المؤسسات الوطنية، وعدم حصر التمثيل السياسي ضمن حدود جغرافية أو ترتيبات تفرضها اتفاقيات سياسية سابقة.
وفي هذا الإطار، حذر قاسم من إجراء أي انتخابات تحت الاحتلال الإسرائيلي، معتبراً أن الظروف التي يفرضها الاحتلال تجعل من الصعب الحديث عن عملية انتخابية حرة ونزيهة تعبر بصورة حقيقية عن إرادة الناخبين.
وقال إن «أي انتخابات تجري تحت الاحتلال هي انتخابات فاسدة»، مشيراً إلى ضرورة الحذر من القبول بنتائج عملية انتخابية تجري في ظل سيطرة الاحتلال وقدرته على التدخل في حركة المرشحين والناخبين والمؤسسات، والتأثير في النتائج أو التعامل معها وفق مصالحه السياسية والأمنية.
وختم قاسم حديثه بالتأكيد على أن أي عملية انتخابية فلسطينية يجب أن تنطلق من رؤية وطنية شاملة تعالج أزمة التمثيل السياسي، وتضمن مشاركة الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم، ولا تعيد إنتاج الانقسام والتجزئة.
وأكد أن التجارب السابقة أظهرت، أن الانتخابات التي تجرى في ظل الاحتلال لا يمكن فصلها عن القيود والتدخلات التي يفرضها الواقع القائم، داعياً إلى التوافق على صيغة وطنية تضمن تمثيل الشعب الفلسطيني بكافة أطيافه السياسية وتجمعاته الجغرافية، وبما يحول دون اختزال العملية الديمقراطية في انتخابات محدودة تعيد منح الشرعية لمؤسسات قائمة دون معالجة جوهر أزمة التمثيل الوطني.