قائمة الموقع

دراسة فلسطينية: نقل صلاحيات المستوطنين من الجيش إلى الشرطة.. ضم زاحف للضفة الغربية بغطاء مدني

2026-08-25T16:46:00+03:00
الرسالة نت - متابعة


خلصت ورقة بحثية جديدة صادرة عن *المركز الفلسطيني للدراسات السياسية* إلى أن توجيه وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بإعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون المدني بحق المستوطنين في الضفة الغربية من الجيش الإسرائيلي إلى الشرطة، لا يمثل مجرد إعادة توزيع إداري للاختصاصات، وإنما يشكل حلقة جديدة في مسار متدرج لإعادة هندسة منظومة السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، وصولًا إلى إدماج المستوطنات في مؤسسات "دولة الاحتلال" المدنية.

وتحمل الورقة، التي أعدها الباحث أ. إبراهيم الحواجري بعنوان: *«تداعيات نقل صلاحيات إنفاذ القانون عن مستوطني الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية: من الحماية العسكرية إلى الاندماج المدني في مسار الضم الزاحف»*، قراءة قانونية وسياسية وميدانية للقرار الإسرائيلي، وتربطه بالتحولات التي طرأت على منظومة إدارة الاستيطان منذ عام 2023.

وترى الورقة أن الهدف الفعلي من نقل الصلاحيات قد لا يكون تعزيز إنفاذ القانون بحق المستوطنين، بقدر ما يتمثل في بناء منظومة رسمية أكثر تكاملًا لحماية الوجود الاستيطاني وإدماجه في مؤسسات دولة الاحتلال، مع إبقاء الفلسطينيين في الضفة تحت منظومة مختلفة من السيطرة والأوامر العسكرية.

قرار يأتي في سياق مسار متدرج
وتستعرض الدراسة مسارًا بدأ فعليًا في فبراير/شباط 2023، عندما أُنشئت «إدارة الاستيطان» كجهاز مدني منفصل داخل وزارة الجيش الإسرائيلي، ونُقلت إليها صلاحيات واسعة تتعلق بالأراضي والتخطيط والبناء والمعاملات في أراضي الدولة.

ثم تعزز هذا المسار في مايو/أيار 2024 من خلال أمر عسكري نقل مزيدًا من الصلاحيات من الإدارة العسكرية إلى الجهاز المدني الجديد، بما أدى، وفق قراءة الورقة، إلى تراجع الدور العسكري التقليدي في إدارة ملفات الاستيطان، ولا سيما في المنطقة المصنفة «ج» التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية.

وتعتبر الدراسة أن قرار أغسطس/آب 2026 يمثل المرحلة الرابعة من هذا المسار، بعدما انتقلت العملية من إدارة الأرض والتخطيط والبناء إلى إنفاذ القانون على المستوطنين أنفسهم، بما يعزز إدماجهم في منظومة الدولة المدنية الإسرائيلية.

وتتفق هذه القراءة مع تحليلات إسرائيلية وفلسطينية حديثة رأت أن الخطة تتجاوز مجرد نقل بعض الاختصاصات بين الجيش والشرطة، خصوصًا أن الشرطة تمتلك أصلًا جزءًا كبيرًا من الصلاحيات الجنائية المتعلقة بالمستوطنين، بينما يظل للجيش دور ميداني حاسم في مناطق الضفة التي لا تستطيع الشرطة دخولها بصورة مستقلة.
 

لماذا جاء القرار الآن؟
تربط الورقة توقيت القرار بتصاعد غير مسبوق في عنف المستوطنين خلال عام 2026، مشيرة إلى تسجيل أكثر من 1380 اعتداءً مرتبطًا بالمستوطنين منذ بداية العام، قبل أن يرتفع العدد لاحقًا إلى نحو 1430 اعتداءً طال 260 تجمعًا فلسطينيًا، وفق المعطيات التي استندت إليها الدراسة.

وتتوقف الورقة بصورة خاصة عند أحداث بلدة قصرة جنوب نابلس، حيث أقام مستوطنون منشآت مؤقتة قرب منازل فلسطينية وأغلقوا طرق الوصول إليها، فيما بقيت عائلات فلسطينية محاصرة لعدة أيام، وأُجبرت نحو 20 عائلة على مغادرة منازلها خلال الأزمة.

وعقب هذه الأحداث، وجه كاتس الجيش إلى إعداد خطة لنقل جميع صلاحيات إنفاذ القانون في القضايا المدنية المتعلقة بالمستوطنات والمستوطنين إلى الشرطة الإسرائيلية. وتشير التغطيات الحديثة إلى أن الخطة أثارت خلافات داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، خصوصًا بشأن قدرة الجيش على التدخل الميداني وإخلاء البؤر الاستيطانية.

«مأسسة الحماية» بدلًا من كبح العنف
وتطرح الدراسة سؤالًا مركزيًا: هل يمثل نقل الصلاحيات محاولة لكبح عنف المستوطنين، أم أنه يوفر غطاءً مؤسسيًا أكثر انتظامًا لحمايتهم؟.


وجيب على وبعد دراسة التوقيت والسياق المؤسسي، ترجح الورقة الاحتمال الثاني، مع إقرارها بأن التنفيذ الفعلي للخطة قد يفرض مراجعة هذا التقدير.

وتستند الدراسة في ذلك إلى ثلاثة معطيات رئيسية: ربط كاتس القرار بزيادة أعداد المستوطنين، وليس بضبط سلوكهم؛ مجيء القرار عقب أحداث قصرة؛ واتساقه مع سلسلة من الخطوات السابقة التي اتجهت نحو تعزيز الإدارة المدنية للاستيطان بدل تقييدها.

وفي المقابل، لا تستبعد الورقة وجود اعتبارات إدارية ومؤسسية، من بينها رغبة الجيش الإسرائيلي في تخفيف أعبائه في ظل تعدد الجبهات، أو وجود خلافات داخلية حول آليات نقل الصلاحيات وتوقيته.

المستوطن «مواطن» والفلسطيني تحت الحكم العسكري

وتعتبر الورقة أن أخطر ما في المسار الجديد يتمثل في التغيير التدريجي لطبيعة العلاقة القانونية بين المستوطن والدولة الإسرائيلية.

فبينما يجري التعامل مع المستوطن باعتباره شخصًا يعيش داخل منظومة قانونية ومدنية إسرائيلية متكاملة، يظل الفلسطيني في الضفة خاضعًا للأوامر العسكرية والمحاكم العسكرية، وهو ما ترى الدراسة أنه يعمق نظامين قانونيين مختلفين على الرقعة الجغرافية نفسها.

وتحذر الورقة من أن هذا التحول قد يؤدي إلى تحويل المستوطنات تدريجيًا إلى وحدات إدارية مترابطة مع مؤسسات الدولة الإسرائيلية، بما يعمق تقطيع أوصال الضفة الغربية إلى معازل فلسطينية محاطة بمستوطنات تتمتع باندماج إداري ومدني متزايد.

وتأتي هذه القراءة في وقت تربط فيه تقارير وتحليلات إسرائيلية حديثة بين توسيع الدور المدني في إدارة المستوطنات وبين الدفع نحو تطبيق القانون الإسرائيلي عليها، في حين يبقى الفلسطينيون خاضعين لمنظومة الحكم العسكري.

الضم قد يبدأ من «المؤسسة» لا من إعلان رسمي
وتقدم الدراسة مفهوم «الضم الصامت» أو «الضم الزاحف» بوصفه الإطار الأوسع لفهم التحولات الجارية.
فمن وجهة نظرها، لا يحتاج الضم بالضرورة إلى إعلان قانوني واحد؛ إذ يمكن أن يتحقق تدريجيًا عبر نقل صلاحيات التخطيط والأرض والبناء والخدمات، ثم توسيع دور المؤسسات المدنية والشرطية الإسرائيلية في إدارة المستوطنات، بحيث يصبح الوجود الاستيطاني أكثر اندماجًا في مؤسسات دولة الاحتلال.

وتشير الورقة إلى أن نقل صلاحيات إنفاذ القانون يأتي متزامنًا مع ضخ موازنات كبيرة للبنية التحتية الاستيطانية، ومنها ميزانية بقيمة 1.075 مليار شيكل للفترة 2026-2028 لشق طرق تربط المستوطنات الجديدة وتعزل التجمعات الفلسطينية، إلى جانب 847 مليون شيكل كالتزام متعدد السنوات لوزارة شؤون الاستيطان في موازنة 2026.

وترى الدراسة أن الجمع بين الإدارة المدنية، والبنية التحتية، والحماية الشرطية، والتوسع الاستيطاني يعزز فرضية وجود حزمة مؤسسية متكاملة تتجاوز كون القرار إجراءً إداريًا منفصلًا.

تداعيات ميدانية خطرة

وتحذر الورقة من أن انتقال الصلاحيات قد يؤدي، في حال لم تتوفر آليات بديلة فعالة، إلى فراغ ميداني في التعامل مع اعتداءات المستوطنين، خصوصًا في المناطق التي لا تستطيع الشرطة الإسرائيلية العمل فيها بصورة مستقلة.

كما يمكن أن يؤدي تراجع الدور العسكري في بعض الملفات إلى إضعاف القدرة على إخلاء البؤر الاستيطانية أو التدخل السريع في حالات الاعتداء، بما يمنح المستوطنين مساحة إضافية لتثبيت وقائع جديدة على الأرض.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية في ظل ما تشير إليه الورقة من نزوح أكثر من 5900 فلسطيني منذ عام 2023 بفعل عنف المستوطنين، ولا سيما في التجمعات البدوية والرعوية في المنطقة «ج».

أربعة سيناريوهات

وتستشرف الورقة أربعة سيناريوهات للمسار الإسرائيلي خلال المرحلة المقبلة: تنفيذ كامل للخطة خلال الجدول الزمني المعلن، وتنفيذ تدريجي مع الإبقاء على دور أمني للجيش، وتجميد أو إبطاء الخطة نتيجة خلافات داخلية أو ضغوط خارجية، وأخيرًا الانتقال مستقبلًا نحو ضم قانوني صريح.

وترجح الدراسة في المدى القصير سيناريو التنفيذ التدريجي مع إبقاء دور أمني للجيش، معتبرة أنه قد يكون الأخطر على المدى المتوسط لأنه يسمح بتكريس الاندماج المدني للاستيطان دون إعلان ضم رسمي يستدعي ردود فعل دولية حادة.

توصيات: من الإدانة إلى المساءلة
وتدعو الورقة إلى الانتقال من الاكتفاء بالإدانة السياسية إلى بناء مسار فلسطيني وعربي ودولي أكثر تحديدًا، يتضمن دعم صمود التجمعات الفلسطينية المهددة بالتهجير، وتفعيل آليات الحماية الشعبية، وتحركًا عربيًا وإسلاميًا لوقف مسار الاندماج المدني للاستيطان.
كما توصي ببناء ملف قانوني يوثق التطورات منذ عام 2023 وربطها بالمسؤولية القانونية الدولية، إلى جانب الدفع باتجاه عقوبات فردية ومؤسسية على المسؤولين عن تسييس أجهزة إنفاذ القانون.

*المركز: المطلوب تحويل كل خطوة إلى ملف قابل للمساءلة*

وفي تقديره، يؤكد *المركز الفلسطيني للدراسات السياسية* أن نقل صلاحيات إنفاذ القانون المدني عن المستوطنين من الجيش إلى الشرطة يمثل مؤشرًا على انتقال المشروع الاستيطاني من مرحلة الحماية العسكرية إلى مرحلة الاندماج المؤسسي والمدني، وأنه يأتي في سياق مسار بدأ في فبراير/شباط 2023 وليس باعتباره قرارًا منفردًا.
ويشدد المركز على أن مواجهة هذا المسار تتطلب تجاوز البيانات السياسية العامة نحو بناء ملفات قانونية ودبلوماسية واقتصادية محددة زمنيًا، تربط كل مرحلة من مراحل الاندماج المدني للاستيطان بمسؤولية قانونية قابلة للمساءلة أمام الهيئات الدولية.

وتأتي هذه الورقة ضمن جهود المركز الفلسطيني للدراسات السياسية في إنتاج دراسات وتحليلات متخصصة ترصد التحولات السياسية والقانونية والميدانية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، وتعمل على تقديم قراءة تحليلية تستند إلى المصادر والبيانات، بهدف تحويل التطورات الجارية إلى معرفة سياسية قابلة للاستخدام في الإعلام وصناعة السياسات والمساءلة الدولية.
 

اخبار ذات صلة